في انتظار نضج الظروف لاعتماد أحد الاقتراحات الخمسة
لا حل لمشكلة السلاح في مجلس الوزراء ولا في الحوار
بعدما انقسم اللبنانيون انقساماً طائفياً حول الوجود الفلسطيني المسلح، فكانت الحروب الداخلية، ثم انقسموا حول الوجود العسكري السوري، فكانت "انتفاضة الاستقلال" و"ثورة الارز" لينتهي هذا الوجود، ها هم ينقسمون حالياً حول سلاح "حزب الله". فهل يشعل انقسامهم حرباً داخلياً أم حرباً اقليمية؟ علماً ان هذا الانقسام لم يعد طائفياً بوقوف العماد ميشال عون مع هذا السلاح بعدما كان من أشد المطالبين بنزعه، ورفض الانضمام الى "لقاء قرنة شهوان" لانه اكتفى بطلب انسحاب القوات السورية الى البقاع تنفيذاً للطائف، فيما هو كان يطالب بانسحاب كامل، كما رفض الانضمام الى "لقاء البريستول" مشترطاً أن يتضمن البيان الذي يصدر عنه نزع سلاح "حزب الله"، ثم تبين ان مواقفه المتشددة هذه لم تكن الا لتبرير عدم انضمامه الى قوى 14 آذار والى "لقاء قرنة شهوان".
واذا كان دخول القوات السورية الى لبنان قد أوقف الاقتتال فيه واخرج المسلحين الفلسطينيين، و"ثورة الارز" اخرجت هذه القوات من لبنان، فكيف السبيل الى حمل "حزب الله" على التخلي عن سلاحه من دون تعريض لبنان لفتنة داخلية ولحرب اقليمية؟
الواقع انه ليس في استطاعة السلطة اللبنانية، حتى وان اصبحت قوية وقادرة، نزع هذا السلاح وتنفيذ قرارات مجلس الامن لئلا تدخل في حرب مع حامليه، ولا نستطيع حتى سوريا في حال تكليفها ذلك أن تتعاطى مع سلاح الحزب كما تعاطت مع السلاح الفلسطيني لان الظروف مختلفة محلياً وعربياً واقليمياً ودولياً.
إن حل مشكلة السلاح خارج الدولة وتحديداً سلاح "حزب الله"، لا يتم الا باعتماد أحد الحلول الآتية:
اولا: أن تنسحب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية التي تحتلها ليصير في الامكان العودة الى اتفاق الهدنة المعقود عام 1949 بينها وبين لبنان. لكن اسرائيل ترفض الانسحاب من بقية الاراضي لأنها تعتبر ان ملكية مزارع شبعا لا تزال موضوع نزاع وهي سورية في نظر الامم المتحدة ولم تتلق من لبنان ما يثبت ملكيته لها وفقاً للاصول، لأن سوريا لا تسلمه الاوراق الثبوتية المطلوبة لأنها تدعي انها لا تملك هذه الاوراق… وهذا ما يجعل "حزب الله" لا يتخلى عن سلاحه الى ان يتم انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن الجزء اللبناني من قرية الغجر.
ثانيا: ان تمنع سوريا مرور الاسلحة عبر اراضيها الى "حزب الله" في لبنان تنفيذاً لقرار مجلس الامن الرقم 1701، لكن سوريا لا تفعل ذلك لانها متحالفة مع ايران وليست مستعدة لفك هذا التحالف والاختلاف معها حول امرار هذا السلاح، عدا ان سوريا لن تتخلى عن هذه الورقة قبل أن تتوصل الى اتفاق مع اسرائيل على الانسحاب من هضبة الجولان وتوقيع سلام معها. ولا شيء يدل حتى الآن على ان التوصل الى هذا الاتفاق سهل المنال.
ثالثا: أن تتوقف ايران عن ارسال السلاح الى "حزب الله"، وهو ما لن تفعله الا اذا توصلت الى اتفاق وتفاهم مع دول الغرب على موضوع ملفها النووي، ولا شيء يدل حتى الآن على أن التوصل الى هذا الاتفاق بات قريبا، وان العقوبات القاسية التي تهدد بها دول الغرب لا تشكل رادعاً لان لا اجماع بين هذه الدول على اتخاذها. اما الضربة العسكرية كبديل منها فغير واردة في الوقت الحاضر أو في المدى المنظور لان نتائجها غير مضمونة، وهي تاليا مدمرة للجميع.
رابعا: أن يصير اتفاق بين الدول المعنية وتحديداً لبنان وسوريا واسرائيل، على تنفيذ القرار 1701 تنفيذاً دقيقا كاملاً فلا يبقى مصيره كمصير القرار 425 الذي لم يتم تنفيذه الا بقوة المقاومة، والقرار 1559 الذي لم ينفذ هو ايضا الا بانتفاضة شعبية عرفت بـ"ثورة الارز" وتنفيذ القرار 1701 يتطلب قراراً جديداً من مجلس الامن يضع آلية عملية لتنفيذه لئلا تبقى القوات الدولية في الجنوب الى أجل غير مسمى لحفظ الامن في المنطقة وحماية حدود اسرائيل من دون التوصل في المقابل الى اقامة الدولة القوية في لبنان القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كامل اراضيها فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها. وها انه مر أكثر من ثلاث سنوات على صدور هذا القرار ولم يتم الانتقال بعد من مرحلة وقف العمليات العسكرية الى مرحلة وقف شامل للنار، على رغم ان مجلس الامن قرر وضع يده على الموضوع وكلف الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون اعداد تقارير دورية يشرح فيها التطورات المتعلقة بالتنفيذ. لكن الوضع ظل حتى الآن على ما هو بحيث ان اسرائيل تخرق الاجواء اللبنانية بطائراتها الحربية بحجة انها تراقب تهريب الاسلحة الى "حزب الله"، وتهريب هذه الاسلحة من جهة اخرى مستمر ليصبح الخرق متبادلا للقرار 1701.
خامسا: أن تتفق الدول الكبرى على تسوية لازمة الشرق الاوسط تفرضها على كل من العرب والفلسطينيين واسرائيل تحت طائلة التهديد بفرض عقوبات قاسية على من لا يقبل بها. ولا شيء يدل حتى الآن على أن هذه الدول على استعداد لفعل ذلك.
إن اعتماد احد هذه الحلول هو الذي يجعل "حزب الله" وحركة "حماس" وكل مجموعة مقاومة تتخلى عن سلاحها، والا فلا حلَّ للسلاح خارج الشرعية وخارج الدولة لا من خلال حكومة وحدة وطنية، ولا من خلال طاولة الحوار، خصوصا عندما يصبح الكلام ممنوعا على هذا السلاح كما كان الكلام ممنوعا في فترة من الفترات على الوجود العسكري السوري لأن أمن لبنان كان في حاجة ماسة الى وجوده، وأن الحاجة ماسة الآن الى وجود سلاح المقاومة الى جانب سلاح الجيش وقوى الامن الداخلي لتحرير الارض والرد على اي اعتداء اسرائيلي، وان سوريا ومعها ايران لا يريان سوى المقاومة سبيلا للتحرير والدفاع عن الوطن.
وبما أن هذا السلاح هو سلاح اقليمي ولا حل له الا بالاتفاق مع سوريا وايران، وان لا اتفاق معهما الا بانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية التي تحتلها ومعالجة موضوع الملف النووي، كما لا حل له لا في مجلس الوزراء ولا على طاولة الحوار، فان اوساطاً سياسية ترى ان يوضع هذا الملف الشائك جانباً وان موقتا في انتظار التطورات والمتغيرات في المنطقة، والانصراف الى الاهتمام بأولويات الناس.