أذكر الهدير وهم يبتعدون. كان المشهد سورياليا. كنت أظن اني لن أراه ما حييت. كنا أطفالا عندما دخلوا. وبفضلهم أصبحنا مقاومين. ندين لهم بهذا الفضل.
كنت في سهل البقاع الغربي، عندما شاهدت اولى قوافلهم وهي تأفل باتجاه ضهر البيدر. دبابات راجمات صواريخ شاحنات أسلحة وشاحنات جند. لم أصدّق. سبقت الموكب باتجاه المريجات، صعودا الى ضهر البيدر، حيث تبدأ طريق الشام. انتظرت هناك. شمس نيسان كانت حارقة. وكأنها تقصّدت أن تكون كذلك. وجوه الجند كانت عابقة. لم يكونوا سعداء ولا تعساء. كانوا موهولين. 30 عاما وهم يجرّبون بأجسادنا، تلك الاسلحة المشقوعة. 30 عاما، وأصغر عريف لديهم، يمارس مزاجيته السادية فينا أمام حواجز الرعب، التي فلشوها على جسد لبنان.
انتظرتُ القافلة الى جانب الطريق. لبنانيون اخرون استرعاهم المشهد. ترجّلوا. ووقفنا صفا واحدا نراقب المشهد- الحلم. عبرت عيونهم أمامنا. لم ينظروا الينا. لم نرشقهم بالحجارة كما كنا نتمنّى في قلوبنا. نظراتنا كانت أسلحة دمار شامل. اكتفينا من نظرات الذل التي بانت من الرؤوس المطأطأة. هذه مكافأتنا. شعرت بالامتلاء. ثورة ساحة الشهداء أثمرت. شو هالسعادة. "اف خي شو هالمنظر" صرخ أحدهم. سمعوه. شو حلو. سمعوه ولم يتجرّاوا على النظر الينا… وغابوا في المسافات.
عاد لبنان أخضر. هكذا شعرت فجأة. كان لونه رماديا مغبرّا. كان السهل صحراء من دون شجر ولا ماء. عاد فجأة الاخضر وانسكب في شراييننا.
بفضلهم صرت أخاف على حياتي أكثر. لان حياتي كانت تُضْنيهم. وبفضلهم جعلت من حياتي نذرا أمام يسوع، بأن أقاوم احتلالهم بأي طريقة ممكنة. وفعلت. على طريقتي وبحسب امكانياتي المتواضعة، فعلت. أحيانا كان يغلبني اليأس أو الشك بنفسي، بأني قصّرت في بعض الاماكن أو تخاذلت وربما خفت. أكيد خفت. لكن صباح 26 نيسان 2005 تأكدت اني فعلت أكثر مما كنت أستطيع. أنا فخورة بنفسي، ليس لاني مقاومة "عظيمة"، فأنا بالكاد أزن 49 كيلغ، بل لأن المقاومة المسيحية العظيمة، علّمتني أن أجعل لحياتي قيمة ورسالة.
26 نيسان 2005 وأنا اراقب اخر دبابة سورية ترحل عنا، ارتجف قلبي. شعرت اني على موعد غرامي مع لبنان!
قبل جلائهم كنت أحب بلادي وأشفق عليها كثيرا. بعد الجلاء صرت أحبها أكثر، لاني شعرت انها عادت ملكا لي. هي شركتي وبيتي وعملي وأثوابي الجميلة وسهري وعطري وشعري الناعم المتطاير مع هواء السهل. الحرية. الحرية. هذه عدت اتنشقها بحرية، ولا انتزعها بالسر كما فعلنا على مدى ثلاثين عاما.
وأنا أنظر الى اخر قوافل الذل وهي تغيب، تأكدت أكثر، ان عين العذراء مريم على لبنان، وأن التاريخ لا يعود الى الوراء، واننا لن نقف ولا مرة بعد، لا الان ولا بعد الف عام، تلك الوقفة عند ضهر البيدر، لنراقب فلول السوريين. لن يعودوا. وعليهم أن يقتنعوا.