بعدما أخذت بالانفتاح عليها أكثر مما أعطت
سوريا تضع شروطاً على من ينوي العودة إليها
كل شيء يدل حتى الآن على أن سوريا هي المستفيدة من الانفتاح العربي والدولي عليها أكثر بكثير من الدول التي انفتحت عليها، إذ ان هذا الانفتاح جعلها بعد أحداث 7 أيار تأخذ أكثر مما تعطي وان تحقق الآتي:
1 – عقد مؤتمر في الدوحة تقرر فيه انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية كونه رئيسا توافقيا والحؤول دون انتخاب رئيس من الاكثرية المنبثقة من انتخابات نيابية حرة ونزيهة.
2 – تشكيل حكومة من الاكثرية والاقلية تحت عنوان "حكومة وحدة وطنية"، بشروط مخالفة للدستور وللنظام البرلماني الديموقراطي.
3 – نقل الخلاف حول سلاح "حزب الله" الى طاولة الحوار كي يبحث في اطار "الاستراتيجية الدفاعية" ووسط حلقة مفرغة او تحويله مادة خلاف تفجر الطاولة.
أما مفاوضات السلام غير المباشرة بين سوريا واسرائيل والتي كان اجراؤها سببا من أسباب الانفتاح على سوريا، فانها توقفت بسبب حرب اسرائيل على غزة، وأيّد الوسيط التركي في هذه المفاوضات موقف سوريا وهي لا تزال متوقفة ولا أمل في استئنافها قبل ان تكون المساعي الاميركية المتجددة قد حققت نجاحا في تحريك مفاوضات السلام الاسرائيلية – الفلسطينية. وقد التقت سوريا واسرائيل، وإن لأهداف مختلفة، على وقف هذه المفاوضات، لان اسرائيل لا تريد تحقيق السلام قبل التوصل الى اتفاق على الملف النووي الايراني، ولا سوريا تريد استعجال السلام قبل ذلك، لئلا تصبح مضطرة الى وقف مدّ "حزب الله" بالسلاح عبر اراضيها، إن لم يكن تكليفها الطلب من هذا الحزب تسليم سلاحه الى الدولة اللبنانية، لكي يكون لسلامها مع اسرائيل معنى، خصوصا عندما يكتمل مع لبنان، وسوريا لا تستطيع تحمل هذه المسؤولية لا بالنسبة الى تحالفها مع ايران ولا بالنسبة الى القضية الفلسطينية اذا ظلت بدون حل، إذ لا شيء يزيل اسباب حمل السلاح للمقاومة إلا تحقيق سلام شامل وعادل في المنطقة.
ولم تبتعد سوريا عن ايران، خلافا لما توقعته اميركا ومعها دول أوروبية وعربية بل عززت تحالفها معها من خلال عقد قمة في دمشق جمعت الرئيس الاسد والرئيس نجاد والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله.
واستطاعت سوريا ان تحول دون تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة النائب سعد الحريري إلا بعد مرور خمسة أشهر وبعد وعد بزيارة سوريا، هذه الزيارة التي طوت صفحة الماضي بكل مآسيها وفتحت صفحة جديدة، قد تنعكس على سير المحكمة الخاصة بلبنان بحيث تجعلها محكمة بدون محاكمة أو محكمة تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد معرفة المنفذين فقط من دون معرفة المدبرين والمخططين لها.
وبعد أن حققت سوريا كل هذه المكاسب من جراء الانفتاح عليها وقبل ان تكتب سطرا واحدا في الصفحة الجديدة التي فتحتها مع لبنان، ما عدا انشاء سفارة لها حَولت في اول نشاط رسمي لها الاحتفالَ بعيدها الوطني مناسبةً جمعت فيها الاضداد من أصدقاء قدامى وجدد وأخصام لا يلبثون ان يتفرقوا ويعود كل الى موقفه وموقعه، فان سوريا تواصل العمل على تفكيك الاكثرية النيابية لتجعلها أقلية، والاقلية التي تدين لسوريا بالولاء أكثرية فتكون بذلك قد نجحت في تحقيق انقلاب سياسي على ارادة الناخبين اللبنانيين الذين اقترعوا لمرشحي قوى 14 آذار وأعادت لبنان الى ما قبل عام 2005.
وبعدما نجحت سوريا في إبعاد العماد ميشال عون عن قوى 14 آذار وجعلته يرفض التحالف معها، بوضع شروط تعجيزية، فانها نجحت في ابعاد النائب وليد جنبلاط، وهي في الطريق الى إبعاد آخرين ولكن وفقا لشروط، بحيث ان من يقبل بها يكون في خطها السياسي ومن لا يقبل بها يكون في خط خصومها. هذه الشروط هي الآتية:
أولا: ان تكون العلاقات بين لبنان وسوريا علاقات مميزة كما كانت في الماضي. ولكي تكون مميزة ينبغي عدم ادخال تعديلات جوهرية واساسية على الاتفاقات المعقودة بينهما، ولا سيما "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" التي انبثق منها المجلس الاعلى اللبناني – السوري واتفاقية الامن والدفاع.
ثانيا: المحافظة على "المقاومة الاسلامية" في لبنان وتعزيز قوتها بالمال والسلاح لتبقى قادرة على مواجهة أي عدوان اسرائيلي الى جانب الجيش اللبناني وألا تزول هذه المقاومة الا مع زوال أسباب قيامها وهي تحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة.
ثالثا: المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وذلك بأن يكون الموقف منها مؤيدا لموقف سوريا، فاذا كانت مسيّسة فانه ينبغي الوقوف منها موقف الرفض والاعتراض الشديدين واذا كانت أحكامها عادلة كان الموقف منها مختلفا. فالامن والاستقرار والسلم الاهلي ينبغي تقديمهم على أي موضوع آخر.
والسؤال المطروح هو: مَنْ مِن قوى 14 آذار يقبل بهذه الشروط؟
في حسابات العاملين على تفكيك هذه القوى ان "القوات اللبنانية" لن تقبل بها وستظل متمسكة بثوابتها، وكذلك "الكتائب اللبنانية" وإنْ بمرونة. و"تيار المستقبل" قد يبقى في الخط الوسط في انتظار مسار المحكمة وما سوف ينتهي اليه، أي حتى اشعار آخر، لأن هذا المسار هو الذي قد يغير صورة الوضع في لبنان وربما في المنطقة.
الى ذلك يمكن القول ان عودة دمشق سياسيا الى لبنان تسير ببطء ولكن بثبات من خلال حلفائها في لبنان الذين يزداد عددهم ويزداد ارتفاع أصواتهم وأنها تستعيد بصمت وبلا عسكر نفوذها بأسلوب أكثر ديبلوماسية من الماضي، وتسترد وضعها في الخارج بعد خروجها من العزلة، وتطور علاقاتها مع تركيا والعراق ودول الخليج وقريبا مع مصر، وتجعل الولايات المتحدة الاميركية التي قادت ضدها حملة العداء والعزل، تعود الى تحسين العلاقات معها ومع دول غربية وترسل سفيرا جديدا لها يرعى هذه العلاقات.
لقد أدرك بعض الساسة المناهضين لسوريا ان لبنان ليس مركز الثقل في المنطقة وأن زعماء الغرب لن يظلوا على اهتمام به بعدما أتعبهم كثيرا، وأن سوريا لن تتخلى عنه كورقة نفوذ في يدها تستخدمها في أي مفاوضات مع الغرب واسرائيل، وأن الاستقلال والسيادة في كثير من الدول لا سيما في العالم الثالث نسبي ومحدود.