#adsense

الحوار كما لم يفهموه

حجم الخط

الكثير من المدركين يعي ان الشراكة الوطنية لا تُبنى على أساس المحاصصة الضيقة في اطار المكونات الطائفية والمذهبية في الوطن، وانما على أساس المواطنة بمدلولاتها الثقافية والسياسية والقانونية. مما يعطي المواطن، اي مواطن، الحق المطلق في المشاركة الفاعلة في شؤون البلاد، بصرف النظر عن انتماءاته التقليدية.

من هنا، يبدو ان ترقّي مفهوم الشراكة الوطنية يكمن في الانتقال من مساحة الأرباح والمنافع التي يسعى كل فريق الى وضع اليد عليها، الى معادلة الحقوق والواجبات. واذا ما تحقق هذا الامر، يتسنى لكل الشرائح في النسيج الوطني العمل والتنافس للقيام بالواجبات الوطنية من جهة، والحصول على الحقوق المشروعة من جهة ثانية.

ان المدخل الآمن لإنجاز مفهوم الشراكة الوطنية هو تأصيل فكرة المواطنة بحمولتها الحقوقية والقانونية. اما الاشكالية التي تطرح نفسها في هذا المجال فهي: هل يمكن الانتقال من حالة التنوع والتعددية (الاختلاف والتشرذم) الى حالة المواطنة الجامعة؟ هل تستطيع القيم الوطنية ان تصون الوحدة والعيش المشترك؟ هل بامكان مشروع وطني ان يتجاوز الحساسيات والانقسام السياسي، ويرتفع فوق المزايدات الايديولوجية، ليحقق واقع الانتماء والولاء؟

ان المطلوب، لإزالة الرواسب التي عملت ولم تزل على تفسيخ المجتمع اللبناني وضعضعة البناء الوطني، هو الحوار الجدي والمتواصل بين مكونات الوطن المختلفة. هذا الحوار الراقي الذي لا يتجه الى المساجلة بقدر ما يسعى الى الفهم والتفاهم، ويؤسس لحالة من التلاقي وتنمية المشترك الوطني والاجتماعي والانساني.

نريد حواراً بعيداً عن المجاملة والمداهنة، يرمي الى احترام الآخر والاعتراف به. فالحوار مع الآخر يهدف الى توسيع المساحات المشتركة وفتح مجالات جديدة للعمل بما تقتضيه متطلبات الوحدة الوطنية وشروط التقريب بين مكونات الوطن. نحن بحاجة الى حوار – مبادرة ينسج شبكة ايجابية من العلاقات على اساس الحق والعدالة والمساواة في الدائرة الوطنية.

ان الوحدة هي خيارنا، وهي ليست مجرد يافطة او شعار فارغ، بل هي رسالة ينبغي العمل على تجسيدها بالفعل في واقعنا. ويستحيل الوصول الى هذه الحالة المتقدمة الا بالحوار والتواصل. ان التجارب الماضية العقيمة والناقصة في موضوع الحوار، وعلى الرغم من فشلها على المستوى التنفيذي، ينبغي ان تحمّلنا مسؤولية اضافية على مستوى الاصرار على نبات تجربة وطنية متميزة يُكتب لها النجاح. والنجاح الذي نشير اليه يقتضي:
أ- ضرورة وجود برنامج وطني ناضج يبلور خيار الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ويعمق قواعدهما في الوسط الاجتماعي عن طريق قوى وطنية اجتماعية متقاربة ترى في الوحدة الوطنية مشروع حاضرها ومستقبلها.
ب- ضرورة تبديل منطق النظر الى الامور والقضايا، بمعنى الابتعاد عن منطق التصادم والقطيعة، والعمل على تبنّي منطق سلمي موضوعي يعالج الشؤون الخلافية بوعي، بعيدا عن عقلية الالغاء والتميّز.
ج- ضرورة التخلي عن النظرة المسبقة الخاطئة التي يحملها الأطراف بعضهم عن بعض، والتي تشكل عاملاً اساسياً للتباعد والتناقض. وفي هذا المجال ينبغي ان نختار وسائل ديمقراطية تجعلنا نرسم صورة واقعية صحيحة للآخرين، وغير مشوهة.
د- الانخراط في مشروع الاصلاح الشامل، انطلاقاً من اصلاح مكونات الثقافة التي تحمل في داخلها عناصر سلبية وخلفيات تقيّد سعينا الى التغيير، للوصول الى الانخراط الجدي في عملية النقلة النوعية من موروثاتنا واقتناعاتنا التي ساهمت في القطيعة والتباعد. وهذا يستوجب حواراً نقدياً متوازنا، لا نحمّل فيه الآخرين مسؤولية واقعنا الراهن، بل نشاركهم في هذه المسؤولية أيضاً.

ان الحوار هو السبيل الوحيد لإفشال كل المخططات الساعية الى الفتنة والتجزئة. فغياب الحوار كاستراتيجية لتنظيم العلاقات بين مكونات الوطن يهدد الجميع بتشظيات حالة العنف المتبادل. ان الضرورة الحضارية تفرض علينا وعياً لعملية الحوار، وسعياً الى تخطّي ما يعترض هذه المسيرة الوطنية التي ينتظرها الجميع. ولكن تجدر الاشارة الى ان الجولات الماضية من الحوار قد حققت الكثير على الصعيد النظري.

من هنا فالخلل الحقيقي الذي يمكن ان يعترض هذه التجربة الوطنية هو غياب البعد التنفيذي والتطبيقي لما يمكن ان يتوصل اليه الاطراف، او لما تم الاتفاق عليه سابقاً. ان فاعلية الحوار تتطلب البدء بعملية ترجمة الأفكار والتصورات التي يتمكن المتحاورون من انضاجها وبلورتها، وذلك عبر أطر ومؤسسات ومشاريع وبرامج وطنية تستهدف التطوير الدائم.

ان الانطلاق من اقتناع ان المواطن يحتضن شعوراً وطنياً صافياً تجاه ارضه ودولته، يمكن ان يشكل حافزاً اساسياً لوجوب ان يتمتع أولو الشأن بارادة الحوار الراقي البنّاء بهدف الوصول الى حلول لا لبس فيها تنقل الوطن الى حالة القيامة المرجوة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل