صحيح أن فرنسا ليست قائدة العالم، ولا هي في منزلة أمبراطوريَّة العصر التي تدعى الولايات المتحدة الأميركية. حتى باني فرنسا الحديثة الجنرال شارل ديغول لم يدّع يوماً انها تختصر اوروبا في الكلام الفصل، ولا في أيَّة خطوة تتصل بالقارة التي تُعتبر عن جدارة واستحقاق حامية حمى الديموقراطية والحريَّة وحقوق الانسان.
إنما هي فرنسا. وهي حجر الأساس في حركة التاريخ والتطوُّر. وهي قبل ذلك كله، وبعده، ومعه، الأم الحنون الصادقة والوفيَّة لوطن صغير يكاد يفتقر الى وفاء ابناء له. كما في الانتماء والولاء. ومثلما اذا دهته دهياء.
هل أن لبنان اليوم وغداً في حاجة الى هذا الحدب، وهذه الامومة، وهذه العناية الدائمة من منصَّة الديموقراطيَّة والابداع والأصالة؟
أجل. بل في أشد الحاجة. وكما دائما. ومنذ رحيل آخر جندي فرنسي من جغرافيا العشرة آلاف واربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً، وما تضم من تناقضات وانتماءات، وتعدديات، وعلى امتداد ثماني عشرة طائفة.
ربما يمكن الجزم ان باريس وحدها تدرك أهمية الموزاييك اللبناني والتنوٍّع الذي يشكٍّل عاملاً اضافياً لضمان النظام الديموقراطي البرلماني، والذي يستطيع اللبنانيون أن يعلنوا اعتزازهم بهذا التفرّد وهذا الامتياز… على رغم المواجهات والصراعات التي لم تهدأ بعد، ولم يقرروا، ضمناً على الأقل، التخلّي عنها والانتماء الى لبنان كوطن نهائي.
قد تكون التداخلات الخارجية صاحبة الدور الأكبر في استمرار هذه "الدوامة المصيريّة". وقد يكون عدم اقتناع بعض الفئات بـ"نهائية" الوطن الذي لم يصبح وطناً بعد. وربما لهذه الأسباب مجتمعة، ولغيرها مما هو مُعْلَن ومُبْطَن.
ولا يسعنا القفز فوق حقائق فرنسيَّة أخرى، تتصل بدورها بهذا "الاهتمام الامومي" المستمر، والذي لم يذهب مع استقالة الرجل العظيم الذي قال "أنا فرنسا وفرنسا أنا". ولا انطوت الصفحة مع حلول جورج بومبيدو في الاليزيه. ولا صار في خبر كان مع وصول فاليري جيسكار – ديستان وغيتاره الى سُدَّة الرئاسة. ولا وُضعت "الامومة" على الرف في عهدي فرنسوا ميتران. ولا عرفت غير الازدهار والتنامي في عهدي الرئيس الفرنسي جاك شيراك، والذي قيل فيه انه يكاد يكون اللبناني الأوَّل.
الآن، نصل الى بيت القصيد، والسؤال عن الاسباب التي دعتنا الى فتح كتاب العلاقات المميَّزة تاريخيّاً بين بيروت وباريس، وفيما يتوزَّع السياسيون واللبنانيون على بيادر الاستحقاق البلدي والاختياري … و"تقلباته" التي كانت متوقعة؟
المناسبة والأسباب هي ذاتها التي دعت رئيس الحكومة سعد الحريري الى الاتصال بالرئيس نيكولا ساركوزي وعرض التهديدات الاسرائيليَّة، وما يصاحبها من ادعاءات وتهويلات تعود الى تسريبات عن وصول صواريخ "سكود" الى "حزب الله".
ليس خفيّاً على الرئيس الفرنسي أن وراء الأكمة الأوسطية حركة متعدّدة الرأس والهدف. وتنطلق من الصراع العربي – الاسرائيلي، وغطرسة حكام اسرائيل، وعدم التزامهم أي قرار من قرارات الشرعيَّة الدولية.
لذا، وقبل ان يدخل أي التباس على الخط، سارع الرئيس ساركوزي الى طمأنة الرئيس الحريري، والتأكيد ان فرنسا لن تسمح بأي اعتداء على لبنان.
وهو يعني ما يقول. ويعرف، تالياً، ماذا يعني اخفاق الجهود الدولية مع حكومة نتنياهو.
إلا ان ذلك لا يعني أنّ لبنان مَنْ سيدفع الثمن، أيّاً تكن الظروف والعوامل والدوافع.
والتوقيع دائماً الأم الحنون.