#adsense

الكلام على الحرب أكبر من القدرة على ترجمته

حجم الخط

رصْد ديبلوماسي لتناقضات الموقف الرسمي من الاحتمالات
الكلام على الحرب أكبر من القدرة على ترجمته

تسجل مصادر ديبلوماسية مراقبة تناقضات كبيرة في تظهير لبنان الرسمي لموقفه الحقيقي مما يتعرض له من اخطار على كل المستويات ولا سيما منها تلك التي ظهرت من خلال التهديدات التي ساقتها اسرائيل ضده على خلفية الاتهامات بنقل سوريا صواريخ "سكود " الى "حزب الله". فهناك اولا مواقف المسؤولين، وقد عكس رئيس الجمهورية ميشال سليمان اطمئنانا من البرازيل التي يزورها منذ بضعة ايام الى عدم تعرض لبنان لاي حرب قريباً، وان يكن مدفوعا برغبته في تشجيع المغتربين والمهاجرين اللبنانيين على زيارة بلدهم الام هذا الصيف. لكن توقيت الزيارة وطبيعتها، فضلا عن الموقف المعلن لا توحي كلها الضغط الذي يعبر عنه مسؤولون آخرون. في حين ان الاتصالات التي يجريها رئيس الحكومة سعد الحريري بزعماء الدول الاوروبية وغير الاوروبية تسلط الضوء على مخاوف ضمنية يسعى رئيس الحكومة الى الالتفاف عليها وتطويقها ديبلوماسيا وسياسيا. وذلك الى جانب تصريحات من جميع المسؤولين على كل المستويات السياسية وخصوصا لدى مسؤولين في "حزب الله" يدلون بدلوهم في هذا الاطار على نحو متناقض يساهم في اضاعة البوصلة فعلا حول احتمال وقوع الحرب من اسرائيل او عدم وجود مثل هذا الاحتمال، اقله في المدى المنظور.

وهذا يثير تساؤلات عما اذا كانت ثمة معطيات او معلومات متضاربة لدى المسؤولين او ان الامر يقتصر على اختلاف اسلوب التعبير، او ان ثمة مصالح معينة لهذا الطرف او ذاك في اذكاء المخاوف، او عجزاً عن خوض نقاش في مواضيع داخلية حساسة في السياسة الداخلية او الخارجية، والمجال المفتوح على مداه في هذا الاطار، يدفع الى التوسع في موضوع لا مشكلة في الكلام عليه؟

وواقع الامر ان هذه المسألة تساهم الى حد كبير في تسعير الوضع في اتجاه المخاوف من وقوع الحرب على رغم التطمينات. فمع ان احدا لا يستطيع ان يجزم على نحو كلي بغياب احتمالات الحرب، فإن الكلام اللبناني العلني من الجهتين القلقة او المطمئنة يعطي المفعول نفسه، والسؤال الوحيد الذي يبقى على السنة الناس هل هناك حرب؟ ومتى؟ ويعود ذلك الى اعتبارات متعددة، من بينها ان التهديدات الاسرائيلية لا تنفك تظهر بين اسبوع واخر على نحو يظهر ان الحكومة الحالية التي لم يمض على وجودها بضعة اشهر اضطرت حتى الان الى خوض احتمالات الحرب او اللاحرب مرتين على الاقل ولمدة اسابيع كل مرة، على نحو يمكن ان يؤثر على لبنان على اكثر من مستوى اقتصادي واجتماعي ومالي. وهذا لا يعني ان لبنان يمكن ان يكون في ترف تجاهل التهديدات الاسرائيلية وما تحمله من احتمالات، لكن تكبير الامور في غير محله له انعكاساته ايضا ويساهم في توتير الوضع اذا كان الهدف التهدئة وطمأنة الناس الى ان صيفهم يمكن ان يكون هادئا في لبنان. ويشار الى ان بعض رؤساء البعثات الديبلوماسية المؤثرة، خصوصا منها العاملة من ضمن القوة الدولية على خط تهدئة الخواطر وعلى اساس ان الاتصالات التي تجريها العواصم الكبرى، تظهر وجود قلق لكن المعطيات الموجودة لا تؤشر لحرب في المدى القريب المنظور على الاقل، في حين ان هذه المواقف تذهب بدورها في خضم المعمعة من دون ان تنال حظها من الاهتمام وتاليا من الصدقية.

بعض هذه المصادر يؤكد ان المعطيات هي نفسها لدى المسؤولين ويطلع عليها جميعهم، لكن التناقض المحتمل الذي يتم تسجيله في وجهات النظر احيانا يتصل فعلا بوجود تناقض ايضا في التقديرات حول احتمالات الحرب ونسبتها. وهذا ينسحب على الخارج بمقدار ما ينسحب على الداخل، لكن الامر الذي يخلص اليه الجميع اقله في المرحلة الراهنة هو الآتي: لا مصلحة لاي من الاطراف المعنيين في المنطقة بوقوع حرب في المرحلة الراهنة. وهذا يسري على اسرائيل كما على سوريا. وايران ايضا، باعتبار ان المسألة بالنسبة الى مراقبين كثر ووفق ما يعكس الواقع، لم تعد في احتمال ان يعاني لبنان انعكاسات حرب عربية اسرائيلية على ارضه، بل تشمل احتمالات الصراع الايراني الاسرائيلي وانعكاساته على لبنان. ولا مصلحة للبنان الرسمي في شكل خاص او حتى لـ"حزب الله" في حرب في المرحلة الراهنة، ولو انه يذكر يوميا بقدراته وتفوقه وقدرته على المواجهة والاستعدادات لها، اذا سلمنا جدلا بان ثمة قرارا للبنان فعلا في هذا الاطار.

ان الكلام على الحرب هو اكبر في الواقع من القدرة على ترجمته، اذ ان حسابات الافرقاء الاقليميين تظللها ايضا حسابات افرقاء دوليون في مقدمهم الولايات المتحدة الاميركية التي ليس من مصلحتها على الاطلاق في هذه المرحلة ان تسمح بحرب في المنطقة وبحرب على لبنان ايضا لاعتبارات متعددة قد لا يكون متاحا الخوض فيها.

ويعتقد كثر ان الحركة في المنطقة يغلب عليها عامل فرض حال انتظار لما قد يطرأ، خصوصا في اتجاه الملف النووي الايراني، وما اذا كان سيحصل اتفاق بين الغرب وايران على وقع العقوبات التي يستعد مجلس الامن لفرضها على ايران، علما ان هناك عوامل اخرى تساهم ايضا في تعزيز عامل الانتظار.

المصدر:
النهار

خبر عاجل