لا بد في الذكرى الخامسة للانسحاب السوري من لبنان واستعادة اللبنانيين استقلالهم من التوقف أمام هذا الانجاز التاريخي الذي لم يتحقق طبعا بإرادة أو مبادرة سورية ذاتية، إنما جاء حصيلة تبلور توجه دولي جديد أدى تقاطعه مع مناخات إقليمية وأخرى محلية مؤاتية إلى عودة الجيش السوري إلى سوريا التي اعتقدت لوهلة بأنها حققت حلمها التاريخي بضم لبنان إليها.
فلا بد إذا في هذه المناسبة التاريخية من إجراء مقاربة جديدة ومختلفة لهذه العلاقة بين لبنان وسورية، والتي إن دلت (أي العلاقة) على شيء، إن في الجمهورية الأولى أو في الجمهورية الثانية وأخيرا في الاستقلال الثاني، فعلى أن العلاقة بين الدولتين لم تستقم يوما لا في ظل اتفاقات ومعاهدات وبروتوكولات وسفارة ولا من دونهم. فلا "الهاجس الأمني السوري" من الخاصرة اللبنانية "الرخوة" الذي تم إدخاله في نص واضح وشهير في بند العلاقات المميزة في اتفاق الطائف والقائل بـ"عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا وسوريا لأمن لبنان" حال دون وصاية سورية على لبنان، ولا انسحاب الجيش السوري في 26 نيسان 2005 أدى إلى وقف التدخلات السورية في الشؤون اللبنانية، ولا فتح السفارة أفضى إلى قيام علاقة من دولة إلى دولة أو بدل في السلوك السوري الجامح نحو الهيمنة على القرار السياسي اللبناني.
ولعل المشكلة الفعلية بين البلدين هي مشكلة سورية أولا ولبنانية ثانيا وعامة ثالثا.
ففي الجزء السوري من المشكلة، لم تظهر دمشق أي نية، منذ نشأة الكيانين إلى اليوم، بالتعامل مع لبنان كدولة مستقلة، بل سعت دوما إما إلى استتباعه أو إلحاقه أو إخضاعه. وإذا كان من الصعب ربما استثناء أي نظام من الأنظمة السورية المتعاقبة منذ نيل دمشق اسقلالها من هذه القاعدة، فالثابت، بالمقابل، أن النظام الحالي، أي نظام البعث، تعاطى مع لبنان باعتباره من ثوابت النظام البعثي القائم على ثابتتين رئيسيتين: سيطرة نظام الأسد في سوريا، وسيطرة الأخيرة على لبنان، وكأن شرط ثبات النظام واستمرايته في دمشق، التي عرفت انقلابات عدة، يتطلبان وضع اليد على لبنان.
أما في الجزء اللبناني من المشكلة فقد تمكنت سوريا من استغلال الانقسام الطائفي بين المسيحيين والمسلمين للعبور إلى الساحة اللبنانية، وقد أوحت للطرفين بأن الاستقواء بها هو مسألة وجودية لهما، لأن مجرد توحدهم يؤدي إلى خروجها الفوري من لبنان، وهذا ما أثبتته انتفاضة الاستقلال في 14 آذار 2005. فكل هم سوريا كان ينحصر في إدارة التوازنات والخلافات لاستمرار حكمها للبنان. ولكن ما تحقق في العقد الأخير لا يبشر إطلاقا، بالنسبة إلى السوريين، بالخير أقله على مستويين:
زوال الانقسام الطائفي الذي تحول إلى انقسام سياسي بامتياز بين نظرتين ورؤيتين متعارضتين؛
وتطور النظرة الإسلامية تدريجا إلى درجة أنه لم يعد لديها أي حلم بإعادة الاعتبار لمشروع الخلافة السنية أو مشروع الدولة القومية العربية أو مشروع الدولة الإسلامية، خصوصا أن الدولة الإسلامية الأولى في العالم العربي، أي المملكة العربية السعودية، رفضت في الأساس فكرة المشروع الإسلامي على مستوى المنطقة، وهي ملتزمة باستقلال كل الدول العربية وحريصة على إعلاء الشرعيتين العربية والدولية. ولا حاجة للتذكير بـ"إعلان الرياض" الذي أكد أن "العروبة ليست مفهوما عرقيا عنصريا بل هي هوية ثقافية موحدة تلعب اللغة العربية دور المعبر عنها، وإطار حضاري مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والانسانية(…). كما أن سقوط نظام الخلافة مع انهيار الدولة العثمانية على أثر الحرب العالمية الأولى أسقط معه منطق الأكثرية في مواجهة الأقلية، باعتبار أنه لم يعد هناك شيء اسمه دولة إسلامية تشكل نوعاً من أكثرية وجامعة في المنطقة، إنما توزعت الأكثرية على 22 دولة عربية لكل واحدة منها شبكة مصالحها المختلفة عن الأخرى.
وانطلاقا مما تقدم، لم تعد سوريا بالنسبة إلى المسلمين اللبنانيين جزءا لا يتجزأ من لبنان، إنما تحولت إلى دولة "شقيقة" كسائر الدول العربية التي تربطها بلبنان علاقات طبيعية من دولة إلى دولة. أما ولاء الشيعة فكان تاريخيا للبنان، والتحول الذي أحدثه "حزب الله" له بعده الأيديولوجي وهو يرتبط بإيران لا بسوريا، ومعلوم أن طهران على غرار دمشق تستخدم الشيعة في لبنان وتسعى لاستخدام المسيحيين وغيرهم لمصالحها وأهدافها الإقليمية التوسعية. لا تدعم إيران الأقليات الشيعية في العالم العربي إنما تستخدم هذه الأقليات لابتزاز العالم العربي والإسلامي بغية التسليم بدورها الإقليمي. وتعتبر إيران "حزب الله" وحركة "حماس" و"التيار الوطني الحر" من أوراقها التفاوضية وتتعامل معهم أكياس رمل لا أكثر ولا أقل، وبالتالي المشكلة "الشيعية" ليست مشكلة لبنانية بنيوية، وحلها مرتبط بالحل على مستوى المنطقة.
أما الجانب الأخير من المشكلة، وهو الأهم حاليا، فيتعلق بالظروف الموضوعية الناتجة عن قيام دولة إسرائيل وتطلع إيران إلى استعادة دورها الامبراطوري الفارسي، ما يجعل حل هذه المعضلة في العلاقة اللبنانية – السورية يتوقف على شرط من شرطين أو كلاهما معا:
يتوقف أولا على سوريا نفسها وتحديدا لجهة ماهية نظرتها لمصلحتها وقدرتها في آن على التبني العملي لا اللفظي لمبادرة السلام العربية وانخراطها الكامل في الاستراتيجية العربية، وهذا الأمر ما زال مستبعدا حاليا في ظل التحالف الاستراتيجي بين سوريا وإيران، كما ما زال مستبعدا من زاوية رفض سوريا تعريب لبنان وحرصها المستمر على سورنته.
ويتوقف ثانيا على مستقبل عملية السلام والملف النووي الإيراني، بمعنى أن أي معالجة لهذين الملفين ستسقط تلقائيا المحاولات السورية – الإيرانية الاستخدامية للبنان، لأن السلام يُبطل أن يكون لبنان ورقة لحساب هذه الدولة أو تلك، ويعيده وطنا بكل مل لهذه الكلمة من معنى. فالتسوية التاريخية اللبنانية -السورية بهذا المعنى هي رهن التسوية على مستوى المنطقة.
فلا يمكن أن تستقيم العلاقة اللبنانية – السورية إذا من الزاوية الثنائية فقط، لأن الأزمة بين البلدين ليست تقنية تتطلب تعديلا لهذا الاتفاق أو تطويرا لذاك، كما أن الرهان على قيام علاقة طبيعية بين الدولتين على غرار علاقة أي دولة في العالم مع دولة أخرى بات يتوقف اليوم إما على التموضع السوري الذاتي بالاتجاه العربي، على استحالته، أو على معالجة ملفي السلام والنووي الإيراني، على رجاحته، خصوصا بعد اعتبار واشنطن أن السلام الفلسطيني – الإسرائيلي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي، ورفضها التهاون بالملف النووي الإيراني ودور الأخيرة الإقليمي.
ولا بأس، في هذا الوقت الضائع، من بعض "أخوة وتعاون وتنسيق"، ولكن من دون مجلس أعلى، وذلك حفاظا على الاستقرار اللبناني، ولو الهش، وانتظام المؤسسات، ولو الخجول، بانتظار التسوية الشاملة على مستوى المنطقة التي تشكل الشرط الأساس لتحقيق التسوية التاريخية المأمولة بين لبنان وسوريا، باعتبار أن هذه التسوية على مستوى المنطقة التي ستقلب المشهد السياسي داخلها رأسا على عقب ستدفع بسوريا، ولو مرغمة، والتي ستفقد آخر اوراقها الوازنة في لبنان، إلى المطالبة من جهتها بتسوية تاريخية مع لبنان حفاظا على نظامها، كما ستدفع بحزب الله الذي سيفقد وظيفته الإقليمية ويسقط مبرر احتفاظه بترسانته العسكرية، إلى لبننة خياراته السياسية حفاظا على رأسه وحرصا على استمرار دوره السياسي.
بقلم شارل جبور