ثلاثة اشهر من القرقعة الصاخبة حول الانتخابات البلدية، ولم يسمع اللبنانيون كلمة مفهومة او جملة مفيدة تتعلق بجوهر وظيفة المجالس البلدية، التي يفترض ان تشكل اساسا يساعد على تطبيق اللامركزية الادارية، التي يتحدث اللبنانيون عنها منذ عقدين ونيف ولكن بلا جدوى.
يشبه الامر "سوق الاوقية" او "سوق الحسبة" او "درج الاربعين": بيع وشراء وغش ونشل والتفاف ومناورات وفخاخ وحفر وحفر، واذا توافر حسن الحظ فتوافق وعناق وصورة تذكارية للتاريخ البائس والذرية النبيلة وشجرة العائلة.
والمثير للاستغراب هو الحديث الدائم عن "الاستحقاق الانمائي"، في حين لم يتطرق احد من المرشحين تقريبا الى الانماء وما هو المقصود به هنا او هناك، ولم يسمع احد من المواطنين ماذا تعني هذه الكلمة عمليا وتطبيقيا.
وهكذا لا الذين توافقوا تحت العباءات الحزبية تنازلوا وقالوا للناس ماذا يريدون ان يفعلوا واين يبدأ طموحهم واين ينتهي، ولا الذين اختلفوا وذهبوا الى المعارك الانتخابية كلفوا الخاطر وابلغونا ما هي برامجهم وطموحاتهم للغد.
❒ ❒ ❒
وعلى هذا الاساس يستطيع المرء ان يقول: "انها الجبنة ايها الغبي"، بمعنى ان المواطن الذي يقرأ عادة في كل فاتورة يدفعها، منذ فيضان نهر ابو علي حتى اليوم، البند الوارد تحت عنوان "رسم بلدي"، لا يجد الآن في هذه القرقعة الانتخابية البلدية كلمة واضحة ومفيدة تتعلق بالوظائف الانمائية للبلديات.
وكي لا نقع في التعميم نقول ان هناك بلديات تعمل بجد وسهر وامانة، ولكنها لا تتجاوز اصابع اليد، اما البلديات الاخرى، فمعظمها من القطط السمينة، هدفها الوحيد اكل قالب الجبنة، سواء جاءت بالتوافق او نتيجة معارك تفتقر الى الحد الادنى من متطلبات الخطاب الانمائي.
واذا كان التنافس او التوافق الانتخابيان يقومان على قاعدة اكل الجبنة في معظم البلديات، فان قتال الاحزاب والقيادات السياسية داخل المعمعة الانتخابية، يدور على المفاتيح الانتخابية النيابية، بمعنى نزرع في الاستحقاق البلدي لنحصد في الاستحقاق النيابي.
❒ ❒ ❒
وليس هناك من شك، في ان الانتخابات البلدية في بعض المناطق المسيحية تحديداً، تشكل بالنسبة الى القوى السياسية، اختبارا للشعبية ومحاولة لكشف عورات الانتصارات في الانتخابات النيابية الاخيرة، لان "القيمة المضافة" المتمثلة بالصوتين الشيعي والارمني في مناطق محددة، لن يكون لها دور ترجيحي في النطاق البلدي!
لا لم يتحدث مرشح عن شجرة سيزرعها هنا او هناك، او عن رصيف سيرممه تسهيلا لانتقال ذلك "الماعز البشري" القابع في احياء تسرح فيها الجرذان مثل الضواري، فترتعد القطط وتلوذ الكلاب بالفرار وترتفع ولولة النسوة من الخوف.
لم يشر احد الى خطة لاصلاح مجاري الصرف الصحي المتدفقة في بعض الشوارع مثل الينابيع. ولم يقل احد ماذا سيفعل لرفع اكياس الزبالة من المنعطفات. وبالتأكيد هناك كثيرون من المرشحين لا يعرفون شيئا عن دور البلديات التراثي والفني والثقافي والتجميلي والانمائي.
على اساس هذا الواقع المزري السائد في بلدات كثيرة، ليس مستغربا القول انه موسم "الجبنة البلدية" يأكلونها بالتراضي والتوافق او بالتنافس والمعارك.