بعد اعلان البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، اثناء مغادرته الى الفاتيكان وبعد عودته منها، انه مع الغاء الطائفية السياسية بالكامل وليس الغاء الطائفية السياسية وحسب، وهو في ما قال يعكس حتماً موقف الكنيسة المارونية، لم يعد هناك من مجال لابتزاز المسيحيين كلما اتخذ هؤلاء موقفاً سياسياً لا يعجب الفريق الآخر، بل ان موقف التحدّي التاريخي الذي اعلنه البطريرك صفير، اصبح الآن في ملعب اللاهثين وراء الغاء الطائفية السياسية، ليس لسبب اصلاحي وطني، بل لحشر المسيحيين «والتمريك» عليهم، ومحاولة لمنعهم من الكلام بحرية عن مواقفهم وارائهم وهواجسهم.
واذا كان رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي ارتضى ان يكون رأس حربة في هذه المواجهة، نيابة عن غيره، مرتاحاً حقاً لموقف صفير، ومتجاوباً مع طرحه المتقدم، فما عليه سوى المسارعة الى دعوة مجلس النواب لتعديل اتفاق الطائف في المادة التي تقول بوجوب تشكيل هيئة وطنية لدرس الغاء الطائفية السياسية، بحيث تكون مهمة هذه الهيئة الغاء الطائفية السياسية في جميع مجالات الحياة في لبنان، وليس في النيابة والادارة فحسب، والذهاب الى حملة تشريع كبيرة، تقتلع جذور الطائفية في القوانين والتشريعات، الروحية منها والمدنية، والدخول في عصر جديد، هو عصر الحياة المدنية، وفصل الدين عن الدولة، في نظام ديموقراطي برلماني حر، الانسان والكفاءة فيه، هما المعيار، وليس الطائفة او المذهب.
الوضع في لبنان، بعد موقف البطريرك صفير، لم يعد قابلاً ان يستمر، كما كان قبله، والطوائف الاسلامية الشريكة في الوطن، مدعوّة روحياً وسياسياً الى تحديد موقفها، ويأمل ان يكون منسجماً ومتطابقاً مع موقف صفير، والا فليطوَ هذا الملف، الذي اريد له ان يكون «فزاعة» للمسيحيين، الى وقت تقوى فيه المواطنة على الطائفة، والتعاون والمساواة على منطق الغلبة والهيمنة والاستئثار.
مرة جديدة تفتح الكنيسة الباب، امام التطور والحداثة والتقارب، باتجاه الشريك المسلم، وهي بهذه الذهنية الوطنية اعلنت قبولها بمشروع الزواج المدني الاختياري الذي وضعه الرئيس الراحل الياس الهراوي.
واذا كانت لم «تقاتل» يومها في سبيله، فذلك من قبيل عدم احراج وازعاج الشريك المسلم الذي هدد بعضه بالنزول الى الشارع لمنع اقرار مشروع القانون هذا، الذي من شأنه، في حال توافق الجميع عليه، ان يمهّد الطريق امام خطوات اخرى اكبر واوسع، لتضييق الفوارق والهوامش بين شرائح الشعب اللبناني وطوائفه، بحيث يسهل التوافق بين اللبنانيين، حتى على الامور السياسية وغير السياسية التي يخلق الخلاف حولها اجواء من التوتر والنزاعات بينهم، على ما هو جار اليوم.
* * *
كان واضحاً من التظاهرة الشبابية الحاشدة التي ضمت عدة الاف من المواطنين يوم الاحد الماضي، نزلوا الى الشارع من مختلف الطوائف ليطالبوا بإلغاء الطائفية وبالدولة المدنية، وحتى العلمانية، ان المجتمع المدني اللبناني في اكثريته الشبابية، اصبح منذ العام 2005، اكثر تعطشاً لتغيير ما ينتشل البلاد من سيطرة الطائفية والمذهبية على الحياة السياسية والاجتماعية.
وهذا التقارب في النظرة بين الشباب اللبناني، حصل بفعل الاحتكاك اللصيق والطويل في ساحتي الشهداء ورياض الصلح بين مئات الوف الشباب، وكان مستهجناً بالفعل منع تظاهرة الشباب من الاقتراب من مجلس النواب، المكان الصالح لاسماع صوت المستقبل، وحيث خاض رئيس المجلس نبيه بري معركة خاسرة لالغاء الطائفية السياسية، لانها كانت مفتعلة ومجتزأة، وكان استقباله هؤلاء الشباب فرصة جديدة مناسبة للانطلاق بجهد اكبر تحقيقاً للتوافق في الموقف بينه وبين البطريرك الماروني نصرالله صفير.
موقف صفير، وتظاهرة الشباب، وملامح التجاوب من برّي، يؤمل ان تكون كرة ثلج تكبر وتكبر طالما انها مندفعة، ولا تجد في وجهها عراقيل من بعض رجال الدين، يبدو انها بدأت تطلّ برأسها عن طريق بيانات الرفض التي صدرت امس، عساها تكون بيانات الحشرجة قبل الوفاة.