#adsense

هل تكون “الحرب البديلة” مخرج إسرائيل من التزامات السلام؟

حجم الخط

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمالات اندلاع حرب تشنها إسرائيل ضد واحد من ثلاثة مسارح محتملة، لبنان، لبنان وسوريا، أو قطاع غزة، تكون بمثابة "حرب بديلة" من تلك التي سبق أن روّج بأن إسرائيل ستخوضها ضد إيران لمنعها من استكمال برنامجها النووي. لكن في المقابل ثمة من يبالغ في لبنان في نشر التطمينات بشكل يطرح الكثير من الإشكالات والهواجس.

والواقع أن ثمة مؤشرات، داخلية وإقليمية ودولية، شديدة الدلالة في تقاطعها، لا تؤكد على ضبابية المشهد في الإقليم وانفتاحه على كل الاحتمالات فحسب، بل تعكس التباين الكبير بين الحرص على تدعيم الاستقرار الداخلي من خلال السعي إلى فرملة التهديدات الإسرائيلية من جهة، وتأمين أوسع مظلة أمان عربية دولية تقي لبنان مخاطر هذه التهديدات المتصاعدة وذلك ما تمثّله المساعي والاتصالات التي يواصلها رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في هذا الإطار، من جهة ثانية، وبين المبالغات الخطابية التي تصور الحرب نزهة ومن دون مخاطر وتداعيات تطال الجميع وتمسّ بنية الاقتصاد ومناعة المجتمع من جهة أخيرة.
فالإدارة الأميركية ومعها إسرائيل جددت أول من أمس، اتهامها لسوريا بتزويد "حزب الله" صواريخ متطورة بعد أسبوع على رواية صواريخ سكود بحسب وزيري الدفاع الأميركي روبرت غيتس والإسرائيلي ايهود باراك.

القاهرة: تحرك وقائي

تزامناً، يحضر التحرك المصري على أكثر من مستوى. فبعد الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط إلى بيروت السبت الماضي، والتي تعددت التفسيرات لأبعادها الحقيقية والكاملة، مع التأكيد أن ثمة "مهماً" استدعى الزيارة في وقت كان رئيس الجمهورية ميشال سليمان خارج لبنان، كانت زيارة الرئيس الحريري إلى شرم الشيخ ولقائه الرئيس المصري حسني مبارك وإعلانه أن "مصر تقوم باتصالات موازية للاتصالات الجارية لمنع حدوث أي أمر ضد لبنان أو المنطقة".

ثمة من يقول إن أبو الغيط كان حريصاً في لقاءاته في بيروت، على ما ذكره بعض الذين التقوه، على عدد من الأمور، أبرزها نفي أي دلالة استثنائية لزيارته وتوقيتها على تقاطع مع التصعيد السياسي والإعلامي ضد لبنان، وأنه كان حريصاً على نفي حمله أي رسالة قد تكون مصر تبلغتها من إسرائيل، وعلى طمأنة لبنان الرسمي واللبنانيين عموماً إلى أن الحرب ليست داهمة وإن القلق اللبناني في هذا الشأن قد يكون مبالغًا به حالياً، إلى حدّ تشجيعه على الاصطياف والسياحة في لبنان. لكن في المقابل، هناك من قرأ فحوى الزيارة من حديث أبو الغيط عن الصراع الدولي الغربي مع إيران الذي يملك قابلية التطور إلى حرب، ويقول هؤلاء إنه أطلع بعض من التقاهم من كبار المسؤولين على معلومات مقلقة توافرت لدى القاهرة عن إمكانية تعرض للبنان لاعتداء عسكري إذا انفجر الوضع مع إيران بشأن ملفها النووي.

هذه القراءة تتلاقى مع ما استكمله أبو الغيط في لوكسمبورغ بعد يوم واحد على زيارته بيروت، حيث بحث مع نظيريه الاسباني ميغيل انخل موراتينوس والفرنسي برنار كوشنير الاحتمالات المتزايدة لامكان إقدام اسرائيل على إشعال الوضع مع لبنان. وتفيد المعلومات القليلة المتوفرة من مصادر ديبلوماسية أن الوزراء الثلاثة اتفقوا على تنشيط اتصالاتهم بإسرائيل والولايات المتحدة وسواهما من اجل منع إسرائيل من هكذا اعتداء، وسبل حماية لبنان في حال تعرض المنشآت النووية الإيرانية لهجوم إسرائيلي. مضافاً إلى ذلك الرسالة التي وجهها أبو الغيط إلى نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون وإلى وزراء خارجية الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أول من أمس، مؤكداً على "أهمية الدور الأميركي لنزع فتيل التوتر وتجنب انزلاق الموقف الى مواجهة يدفع لبنان ثمنها من دون مسؤولية من جانب الدولة اللبنانية في التصعيد"، مؤكداً "وقوف مصر إلى جانب اللبنانيين ورغبتها وسعيها لتجنيب لبنان أي مخاطر تهدد أبناءه واستقراره".

سيناريوات متشائمة

ماذا بعد؟ تعتبر مصادر متابعة أنه بالرغم من التطمينات التي يتلقاها لبنان، فإن الواقعية تقتضي عدم إغفال حساب انزلاق الأمور في المنطقة إلى المواجهة، ويذهب هؤلاء إلى الجزم بوقوع "أمر ما" في الخريف المقبل بعد استكمال إسرائيل تهيئة الأجواء على المستويات العسكرية والسياسية والديبلوماسية والإعلامية والنفسية، فيما إشعال شرارة الحرب تكون تتويجاً لهذا المسار.

ويعرض أصحاب هذا الرأي ثلاثة معطيات تدعم وجهة نظرهم:
الأول: أن إسرائيل قد تلجأ، عوضاً عن مهاجمة إيران، إلى مهاجمة أذرعها في المنطقة، أي خوض حرب بديلة بغطاء أميركي بدت ملامحه في تبني رواية "سكود"، طالما تعذر تأمين غطاء أميركي أوروبي للحرب ضدّ إيران.

المعطى الثاني: أن خطوة إسرائيلية كهذه تخرجها من عزلتها الآخذة بالازدياد، فتل أبيب تسعى لاستدراج حرب محدودة وسريعة ضدّ قطاع غزة عبر استفزاز حركة "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية بهدف استدراج هؤلاء إلى معاودة إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية كي توفر ذريعة لشن حرب جديدة على القطاع والهرب إلى الأمام من كل الضغوط التي تواجهها، وتضمن بقاء الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الهشّ غير القادر على المضي قدما في اتجاه السلام على أي من المسارات السلمية مع الدول العربية المعنية.

ووفق الحسابات الإسرائيلية فإن مثل هذه الحرب أو حتى الحرب على "حزب الله" – هي وحدها ما يمكن أن يفك الحصار الديبلوماسي والسياسي الذي تواجهه تل أبيب التي تشعر، و للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بسخونة الضغط الدولي، الأميركي خصوصاً والغربي عموماً عليها للقبول بحلّ الدولتين. فللمرة الأولى في تاريخ السياسة الأميركية ثمة توجه يعتبر أن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي فيه مصلحة قومية أميركية، وأن حياة الجنود الأميركيين في العالم يطاولها التهديد بسبب الصراع العربي – الإسرائيلي.

المعطى الثالث: هو سعي إسرائيل إلى إفشال مهمة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، خدمة لتوجهات بعض من الإدارة الأميركية ممن يرى في ذلك صوناً للمصالح الإسرائيلية وتعويماً لحكومة نتنياهو، من دون إحراج واشنطن، ورداً على التصلب الفلسطيني برفض إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الإسرائيليين، التي تشكل جوهر مهمة ميتشل، وسط أجواء لا توحي ببروز مؤشرات قد تشكل بداية لكسر الجمود في عملية السلام، بالرغم من الإعلان عن عودة ميتشل مجدداً إلى المنطقة الأسبوع المقبل.

لكن هناك من يرى أن الحركة الديبلوماسية التي يقوم بها ميتشل ما عادت تحظى بتوقعات عالية بالرغم من تصريحات الرئيس أوباما التي فهم منها التوجه للضغط على إسرائيل والتي وصفت بأنها تحول نوعي جديد لم تشهده العلاقات الأميركية الإسرائيلية من قبل، وهذا التحول النوعي يكتسب أبعادا أخرى في الموقف الأميركي من موضوع صواريخ "سكود"، وعليه، فهناك من يعتبر أن أي عمل عسكري إسرائيلي في الفترة المقبلة قد يحقق الأهداف المذكورة جميعها.
ماذا يتهدّد لبنان إذا استُدرج لحرب؟

لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن استدراج لبنان إلى حرب جديدة مع إسرائيل لأي سبب من الأسباب من شأنه ان يعرض استقراره السياسي والأمني والاقتصادي للاهتزاز، كما يعرض الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد لكارثة قد يصعب عليه تفاديها، والسؤال المهم المطروح هو: هل يعي القادة اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم دقة الوضع وخطورته فيجنبون لبنان عواقب الدخول في حرب جديدة مع إسرائيل، وقبل ذلك وبعده أهمية المساعي التي يقوم بها الرئيس الحريري صوناً للاستقرار والسيادة والمكتسبات في لبنان.. وسوريا أيضاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل