الحريري نجح في تطويق "عاصفة السكود" سياسياً وديبلوماسياً
السلاح الفلسطيني خارج المخيمات "شوكة" يجب نزعها
"عاصفة" صواريخ "السكود"، تتحوّل يوماً بعد يوم إلى "عاصفة في فنجان"، لأنها أضخم من أن تصدّق، وأكبر من أن تبلع. "حزب الله" لم ينف ولم يخف نشاطه لإعادة تسليح نفسه. غداة انتهاء حرب تموز 2006، نفذ الحزب سياسة مبرمجة لإعادة تسليح نفسه، على اعتبار انه من الضروري والملحّ أن تبقى جاهزيته حاضرة وأن تصل إلى أعلى مستوياتها. قالوا إنّ المقاومة تملك عشرة آلاف صاروخ، فشدّدت قيادته بأنها تملك أكثر، وأكد السيّد حسن نصرالله أن تل أبيب مقابل بيروت، ومطار بن غوريون مقابل مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ردع إسرائيل من الاعتداء على الجنوبيين ولبنان، مسألة غير قابلة للنقاش أو الخلاف، علماً انّ ذلك لا ينفي افتراقاً في المواقف حول موضع وآلية "السلاح" في معادلات الداخل والسلم الأهلي تبعاً للتوجّهات والالتزامات السياسية.
إسرائيل أثارت عاصفة "السكود" لأسباب ذاتيّة عديدة، ربما أهمها العمل على تخفيف الضغوط الأميركية عليها، بسبب تطرّف اليمين المتطرّف. هذا التطرّف الذي دفع لأول مرة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى إعلان خيبة أمله وربما يأسه من صديقه "بيبي" وذلك أمام شيمون بيريز. أفضل وسيلة إسرائيلية للدفاع هي الهجوم في مربع معروف جيداً من العالم وهو أمن إسرائيل. الرئيس اوباما سارع إلى تأكيد التزامه الحاسم بأمن إسرائيل أمام ايهود باراك. وصلت "الرسالة" إلى البيت الأبيض وردّ عليها بأوضح منها. المهم مستقبل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وضرورة تفعيلها، لأنّ في هذا الجمود تكمن كل المخاطر.
من حق لبنان أن يقلق في وجه هذه "العاصفة" التي ثارت ضدّه. لا أحد يضمن "الجنون" الإسرائيلي خصوصاً وأنه يعيش حالياً على وقع تطرّف غير مسبوق. الحملة الديبلوماسية التي يقودها الرئيس سعد الحريري لتطويق النوايا العدوانية الإسرائيلية تبدو وكأنها حققت "إصابات" مؤكدة في المرمى الإسرائيلي. كل الدول المعنية بالأزمة أبدت تضامنها مع لبنان. ما يزيد من حجم التضامن أن لا أحد يضمن بقاء أي صدام محدوداً. من السهل إطلاق الرصاصة الأولى لكن من المستحيل ضبط الانفجارات اللاحقة في منطقة مليئة بالألغام والقنابل الموقوتة.
ملف صواريخ "السكود"، يكاد يُطوى. لن يكون هذا الملف الأول والأخير بين لبنان وإسرائيل، الذي يثير القلق والمخاوف. طبيعة الصراع تفرض دائماً هذا التوتر. المهم أن يبقى توتراً مضبوطاً، لا يؤدي انفجاره إلى إحراق الاخضر واليابس. لكن المشكلة الكبرى أن قدر لبنان "أن يرقص دائماً مع الذئاب"، وذلك لكثرة الملفات العالقة التي بعضها يهدّد سلمه الأهلي في فترات معينة وأحداث غير متوقعة.
الملف الفلسطيني اللبناني معقّد جداً لأسباب كثيرة، منها ما هو نابع من الماضي وممارساته، ومنها ما هو مستمر نتيجة لغياب الثقة وتجذر ممارسات خاطئة من الطرفين تحت ظلال الخوف من "التوطين"، هذا الخوف الذي يستثمر في كثير من الأحيان لحجب أهداف لا علاقة لها فعلاً بالتوطين.
السلاح الفلسطيني في لبنان زاد من "الطين بلّة" كما يُقال. هذا السلاح كان للمقاومة ضدّ إسرائيل حتى العام 1982، عندما اضطر الرئيس الشهيد ياسر عرفات إلى مغادرة لبنان مع الآلاف من المقاتلين. منذ ذلك الوقت تحوّل هذا السلاح إلى عبء على الفلسطينيين قبل اللبنانيين، خصوصاً وأنه في بعض توجهاته ليس فلسطينياً ولا هو في خدمة فلسطين وقضيتها. لا شك أنّ اقتحام الإرهاب الأصولي "المخيمات" وما أفرزته "حرب نهر البارد" ضدّ هذا الإرهاب، قد أكد كل المخاوف اللبنانية منه.
طاولة الحوار وصلت في السابق إلى معادلة واضحة. تنظيم السلاح الفلسطيني داخل المخيم، ونزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. في الجانب الأول، العملية مؤجّلة حتى يستقر الوضع الفلسطيني الداخلي وتحديداً حتى تستعيد "فتح" تماسكها التنظيمي. المشكلة ليست أمنية فقط. والتعامل مع هذا الملف من الجانب اللبناني لا يجب أن يكون أمنياً فقط. معالجة الجانب المدني مهم جداً. كلما جرى بسرعة حلّ المشكلات المدنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة يتم حلّ مشكلة الأمن والسلاح داخل المخيمات. السرعة في الحل وتنفيذ آلياته مهمة جدّاً، لأنها تسحب ورقة أساسية من المزايدات الفلسطينية الخارجية حول كل ما يتعلق بالسلاح الفلسطيني. لا يجب السماح بربط الحقوق المدنية الفلسطينية بأي سلاح. هذا خطأ وخطيئة من أي جانب أتى ويأتي.
يبقى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. طاولة الحوار أخذت قراراً بالإجماع بنزعه وإخلاء مراكزه سواء كانت في الناعمة أو قوسايا (لم يتعرّض هذا السلاح ولا مخيماته لطلقة رصاص إسرائيلية واحدة خلال حرب 2006). لا حوار حول نزع هذا السلاح. الحوار هو للتوصل إلى اتفاق. معنى ذلك العودة إلى البداية. الاتفاق الوحيد هو الذي توافَقَ عليه اللبنانيون على طاولة الحوار. السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات "شوكة" يجب نزعها عاجلاً أم آجلاً.
الرئيس سعد الحريري واضح مثل الشمس بما يتعلق بهذا السلاح، يقول: "سيحصل اتصال مع الفصائل الفلسطينية لننتهي من هذا السلاح لأنه لا يفيد في شيء". يجب أن يخرج هذا السلاح من لبنان، لأنه لا يحمي الفلسطينيين ولن يأتي لهم بأي مطالب اقتصادية ومدنية. هذه قضية والسلاح قضية أخرى. الربط بينهما يعقّد أكثر فأكثر الحل للوضع الفلسطيني في المخيمات. أيضاً هذا السلاح لم يعد سلاح مقاومة، لم يشارك في حرب 2006 (حتى صواريخ الناعمة لم تُطلق ضدّ العدو الإسرائيلي). أيضاً وهو الأهم هذا السلاح لا يقدّم ولا يؤخّر في حماية "الخاصرة السورية". العلاقات الأخوية والمميّزة القائمة على قاعدة "أمن سوريا من أمن لبنان والعكس صحيح" هي التي تحمي هذه "الخاصرة".
حان الوقت لكي يعمل الجميع من لبنانيين وأشقاء على نزع هذا "اللغم" الذي أصبحت مخاطره أكبر بكثير من مردوداته.