ذمّيّة من نوع آخر
ميشال ي. الشّمّاعي
يطالعنا اليوم كعادته، صاحب الأيادي الحمراء في سجلات التّحرير والإلغاء، بلقاءات جديدة، مضمونها الوفاق حول الإنتخابات البلديّة. لكن السّؤال المطروح : الوفاق مع من؟
يجهد اليوم مرؤوس التيّار الوطني الحرّ، عفوا، رئيس التّيّار الوطني الحرّ، بتكثيف لقاءاته مع كلّ من حركة امل وحزب الله، آملا عدم التنازع في أيّة بلديّة. لكن نسأله: مع من سيتنافس وحلفاؤه يعملون على عمليّة تهجير قسريّ، لمن لا ينصاع الى إرادتهم، ويدفع الفدية لهم، ليتمكّن من قرع جرسه، وما حصل في الامس القريب، في منطقة عين الرّمانة، وفي قرية مجدليون شرق صيدا، خير دليل على ذلك؟
لا وألف لا نقولها له ولحلفائه. مآربكم واضحة كشمس حزيران. تعملون على تفريغ المناطق ممن رفض واختار الخيار الرابع، بين الخيارات الثلاثة التي باتت معروفة: الرحيل، التحّول الى المثل، الذّمّيّة. وخيارنا، هو البقاء والصّمود والثبات في الأرض، لأنّ عيوننا ستقاوم مخارزكم، كما قاومت عيون آبائنا وأجدادنا، مخارز العثماني، والفلسطيني، والسوري.
إسمح لنا، يا صاحب الأيادي المضرّجة بالدّماء، فمهما حاولت غسل يديك، لن تنجح كما نجح بيلاطس، لأنّ سجلّك يبرق عند كلّ دمعة أمّ تركتها ثكلى، وعند صرخة كلّ مخطوف، نسيته في السّجون السوريّة، واكثر من ذلك، قبضت ثمن خطفه، محطّات تلفيزيونيّة وإذاعيّة، وسجّاد، وقصور، ومقاعد وزاريّة ونيابيّة.
هنيئًا لك بذمّيّتك الجديدة. لئن تغيّر لونها ونوعها، فهي بقيت هي هي. جوهرها واحد لم يتغيّر في الخنوع والخضوع. لكن اسمح لنا، نحن الذين رفضنا إرادة من كان أقوى منك، ان نقول لك جهرًا، بأننا سنرفض ذمّيّتك الجديدة ولن نقبل اليوم بما رفضناه بالأمس. نحن أحرارًا، خلقنا أحرارًا وسنبقى أحرارًا.
"كلّ ما في الطبيعة ثمين وجميل وشريف. ولكن أثمنه وأجمله وأشرفه على الإطلاق هو الإنسان"، يقول الاديب ميخائيل نعيمه. لكن فاتك أنّك بورقتك قلّلت من شأن هذا الانسان، وظهرت وحلفائك كمن يتصدّق على الإنسان المخلوق حرا بأبسط حقوقه، أي حرّيّته الشّخصيّة الكيانيّة. هذه الحريّة في المعتقد والضمير والدّين، التي كلّلها بنضاله العظيم العظيم شارل مالك، ليست منّة من أحد، بل هي من ربّنا وإلهنا يسوع المسيح وحده. أنت وحلفائك اليوم تنصّبون أنفسكم في مرتبة، تسمح لكم بإعطاء هذه الحريّة. لكم نقول: "خسئتم".
إنّ الّناس اليوم يعتقدون بما نعتقد ويؤمنون بما نؤمن. والا لما جعلوا لكلّ شخص بشري في المجتمع قيمة، فأشركوه في صناعة الإستقلال الحقيقي للبنان. نحن لا ننكر قيمة المعادن الثمينة والحجارة الكريمة، لكن ننكر عليك وعلى حلفائك، أن تجعلوا قيمة الإنسان من ذهب وفضّة وصواريخ وسجّاد.
نحن لا ننكر قيمة الأرض ولا سيّما أرض الوطن، لكن ننكر على الأرض التي لم تعرف ملكيّتها الى حدّ هذا اليوم، تلك القيمة الجديرة التي تُهدر في سبيلها الأرواح الذّكيّة، ويُدمّر الوطن على مذبح الصراع الدولي على النّفوذ.
في المقابل، نحن لا نستغرب أن يموت إنسان في سبيل كرامته ومعتقداته، كما حصل مع سماحة المفتي حسن خالد، أو كما غيُّب الإمام موسى الصّدر، أو كما اغتيل الشيخ بشير الجميّل، أو كما قتل غدرا رفيقنا رمزي عيراني، أو كما اختطف رفيقنا المناضل بطرس خوند في وضح النّهار، أو كما اغتيل الرئيس رفيق الحريري، والقافلة تطول في بلد صغير كلبنان. ولا نستغرب كيف رحل الكثيرون من روّاد الحرّيّة الكيانيّة الوجوديّة، لنبقى في هذه الأرض أحرارا كيانيّين.
أنت يا صاحب سجلات بطولات الشرف وهزّ المسامير، تحمّل شعبك الذّل. والمذلّة هي أمرّ مذاقًا من الفقر، وأثقل وطأة من الحرّيّة الممنوحة.
هذه الذّمّيّة الجديدة التي يحاولون فرضها علينا، ونسوا أنّنا جيل آلاف وآلاف من الشهداء الذين لم يرضوا لا بالذّلّ ولا بالمهانة. إذا كنتم ترضون تقديم الطّاعة والولاء لربّ غير ربّ القوّات، فنحن لن نرضى، لأنّ فكرنا حرّ، ووجودنا في هذا المشرق حرّ، ووطننا بالتاكيد حرّ وحرّ.