سلاح "حزب الله" يهدّد المصالحة الأميركية – السورية
صفقة واشنطن: ضبط المقاومة مقابل لجم اسرائيل
الأزمة بين ادارة الرئيس باراك أوباما ونظام الرئيس بشار الأسد والتي بلغت حد التهديد الأميركي باستخدام كل الخيارات ضد سوريا، تطاول مجمل العلاقة التسلحية بين المحور السوري – الايراني و"حزب الله" وليس فقط مسألة تلقي الحزب أخيراً شحنات أسلحة متطورة من السوريين، سواء تضمنت أم لم تتضمن صواريخ "سكود" أرض – أرض بعيدة المدى. وهذه الأزمة ناتجة خصوصاً من مخاوف أميركية – فرنسية – بريطانية جدية من احتمال نشوب حرب في المنطقة في المرحلة المقبلة اما نتيجة قرار ايراني ينفذه "حزب الله" بتفجيره المواجهة مع اسرائيل رداً على فرض عقوبات دولية جديدة على الجمهورية الاسلامية لمنعها من انتاج السلاح النووي، واما نتيجة قيام حكومة بنيامين نتنياهو بعملية عسكرية استباقية واسعة ضد مواقع "حزب الله" في لبنان لتدمير قدراته التسلحية وكذلك ضد منشآت وأهداف عسكرية داخل سوريا. وتسعى ادارة أوباما الى منع نشوب الحرب وانقاذ عملية السلام من الانهيار الكامل باتخاذها ثلاث خطوات أساسية هي:
أولاً – تحذير نظام الأسد من ان الحرب المقبلة ستطاول سوريا وليس لبنان وحده، ثانياً – تشديد الضغوط على النظام السوري لدفعه الى لجم "حزب الله" ولاحباط أي محاولة لتزويد الحزب صواريخ قادرة على ضرب مدن اسرائيلية كبرى، ثالثاً – اقناع الحكومة الاسرائيلية بأن الادارة الأميركية قادرة على ضبط الأوضاع في المنطقة ودفعها عوض ذلك الى معاودة المفاوضات مع الفلسطينيين".
هذا ما أدلت به مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على تطورات العلاقة المتوترة بين واشنطن ودمشق. وأوضحت أن هذه الأزمة " تظهر مدى هشاشة الحوار الأميركي – السوري الذي انطلق مطلع 2009 بعد تسلم أوباما مهماته وتثبت أن هذا الحوار صعب ومعقد ولم يحقق أي تقارب جدي بين البلدين بل ان خلافات عميقة لا تزال قائمة بينهما على مختلف القضايا الاقليمية وأبرزها لبنان والعراق وفلسطين وقضية التحالف السوري – الايراني والروابط الوثيقة بين نظام الأسد و"حزب الله" و"حماس" وتنظيمات عربية متشددة أخرى. وتظهر هذه الأزمة بوضوح أن الحوار الأميركي مع سوريا مشروط ومقيد بضوابط محددة، خلافاً لما تقوله دمشق، كما تظهر أن الادارة الأميركية انفتحت على نظام الأسد ليس من أجل مكافأته على سلوكه، أو من أجل السماح له بتهديد لبنان، أو من أجل تقبل سياساته وتوجهاته الاقليمية بل من أجل دفعه الى تغيير هذه السياسات جذرياً بحيث تشارك سوريا في دعم الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط بدل أن تظل جزءاً من الاستراتيجية الايرانية الخطرة الساعية الى الهيمنة على المنطقة واضعاف الأنظمة والقوى العربية المعتدلة والى محاولة فرض مطالبها وشروطها عليها وعلى الدول الكبرى". وأضافت "ان ادارة أوباما ترفض أن يستغل نظام الأسد الحوار الأميركي معه لكي يعمل على تعزيز تحالفه مع ايران، بل انها تقوم بتصعيد الحملة السياسية والديبلوماسية والاعلامية على هذا النظام لأنها تريد احداث صدمة قوية تدفع الرئيس السوري الى اعادة النظر جذرياً في حساباته "الخاطئة"، وفقاً لواشنطن، وفي استراتيجيته الاقليمية بحيث يبتعد فعلاً، ومن خلال تنفيذ خطوات محددة، عن محور التشدد الذي تقوده ايران، ويعزز عوض ذلك علاقاته مع الدول العربية المعتدلة ومع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة". ورأى ديبلوماسي أوروبي مطلع "أن هذه لحظة الحقيقة بالنسبة الى مستقبل العلاقات الأميركية – السورية. ذلك ان الهدف الأساسي لادارة أوباما من انفتاحها المشروط على سوريا هو اضعاف التحالف السوري – الايراني تدريجاً. واذا لم يتحقق هذا الهدف فلا جدوى من تحسين العلاقات مع نظام الأسد بل ان العلاقات الأميركية – السورية قد تشهد حينذاك تأزماً وانتكاسات".
الأسد و"الثمن اللبناني"
ديبلوماسي غربي بارز معني مباشرة بهذه القضية أوضح لنا أن مشكلة امداد "حزب الله" بالسلاح السوري والايراني تحولت أزمة جدية في العلاقات بين واشنطن ودمشق للأسباب الأساسية الآتية:
أولا: طرحت ادارة أوباما مشكلة تسليح "حزب الله" منذ بدء حوارها مع نظام الأسد لكنها لم تتوصل الى أي اتفاق معه في شأنها. فالادارة الأميركية ترفض أن تكون سوريا عاملاً مفجراً لحرب جديدة لبنانية – اسرائيلية قد تتحول حرباً اقليمية بالغة الخطورة، كما ترفض أن يظل لبنان وضد ارادة أبنائه ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل خدمة لمصالح دمشق وطهران وبحيث يستغلها نظام الأسد من أجل محاولة تعزيز موقعه التفاوضي مع اسرائيل ومع الدول الكبرى.
ثانيا: ترفض ادارة أوباما الدور المزدوج الذي يقوم به نظام الأسد، ذلك انه يتمسك، من جهة، بخيار السلام في تعامله مع اسرائيل فيعتمد على المفاوضات والديبلوماسية وليس على الحرب والمقاومة من أجل استعادة الجولان المحتل، لكنه، من جهة ثانية، يخوض حرباً غير مباشرة مع اسرائيل عبر الساحة اللبنانية وبالاعتماد على "حزب الله" فيدفع اللبنانيون وحدهم الثمن خراباً ودماراً وخسائر بشرية ومادية فادحة وتبقى سوريا بمنأى عن الضربات الاسرائيلية وتحاول استغلال أي حرب لبنانية – اسرائيلية لمحاولة تعزيز موقعها التفاوضي. وقال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: " لقد صدرت تحذيرات جدية من مسؤولين أميركيين وأوروبيين في الفترة الأخيرة مفادها أن الحرب اللبنانية – الاسرائيلية المقبلة لن تكون مشابهة لحرب صيف 2006 بل انها ستكون أخطر وأوسع وستطاول سوريا هذه المرة".
ثالثا: أظهرت هذه الأزمة ان قضية امداد "حزب الله" بالسلاح تشكل عقبة بارزة ومستمرة يصطدم بها الحوار الأميركي – السوري وان هذه القضية تمنع حصول تقارب حقيقي بين البلدين. وهذا الواقع يضع نظام الأسد أمام خيارين صعبين: اما أن يواصل دعم "حزب الله" عسكرياً وبالتفاهم مع ايران وهو ما يهدد بمخاطر كبرى وبانعكاسات سلبية على العلاقات الأميركية – السورية، واما أن يضع حداً لهذه العلاقة التسلحية مما يفجر أزمة مع ايران ويشكل حينذاك تغييراً جوهرياً في سياسة سوريا اللبنانية والاقليمية. وكما قال لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "ان النظام السوري، استناداً الى معلوماتنا، مستعد للتضحية بعلاقاته مع أميركا والغرب من أجل المحافظة على روابطه القوية مع ايران و"حزب الله" وليس ثمة دليل على انه سيبدل موقفه هذا. وفي المقابل، ليست ادارة أوباما مستعدة لتأمين أي نوع من التغطية أو الحماية لهذه السياسة السورية الاقليمية الخطرة اذ ان حوارها مع سوريا هو من أجل خدمة الأمن والاستقرار وتعزيز فرص السلام في المنطقة وليس من أجل خدمة المحور السوري – الايراني وحلفائه ".
وذكرت المصادر الديبلوماسية الأوروبية المطلعة أن الأزمة الأميركية – السورية تسلط الأضواء على أربع مسائل مهمة ذات صلة بمسار العلاقات اللبنانية – السورية هي الآتية:
أولاً: خلافاً لما يردده المسؤولون السوريون وحلفاؤهم فان لبنان ليس موضوعاً هامشياً أو ثانوياً في الحوار الأميركي – السوري بل انه موضوع مهم وجوهري يتوقف عليه الى حد كبير مصير التقارب بين واشنطن ودمشق. فادارة أوباما ليست مستعدة للتضحية بلبنان المستقل وباستقراره من أجل تعزيز علاقاتها مع سوريا.
ثانياً: تظهر هذه الأزمة أن أميركا والدول البارزة الأخرى لم تمنح نظام الأسد تفويضاً لادارة شؤون لبنان وللتصرف به وفيه كما يريد، بل ان الأزمة تشكل تحذيراً للقيادة السورية من أن قيامها بأعمال وممارسات خطرة في الساحة اللبنانية ستكون له انعكاسات سلبية على علاقاتها مع أميركا ومع دول بارزة أخرى.
ثالثاً: تظهر هذه الأزمة أن المطلوب أميركياً من نظام الأسد أن يدفع "ثمناً لبنانياً" وليس فقط "ثمناً عراقياً" لكي تتحسن علاقاته مع أميركا ودول بارزة أخرى. وهذا "الثمن" هو الاحترام السوري الحقيقي والجدي لاستقلال لبنان وسيادته ولسلطته الشرعية ولحقه في الأمن والاستقرار، والتوقف عن استخدامه ورقة مساومة ومقايضة، والتزام تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701 الذي يحظر تهريب أو نقل أي أسلحة الى القوى العسكرية غير الشرعية في الساحة اللبنانية.
رابعاً: تظهر هذه الأزمة ان العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا ، والتي تساندها أميركا ودول عدة أخرى، ليست خطوة نحو اخضاع لبنان مجدداً للوصاية السورية كما يتمنى حلفاء دمشق، بحيث يستغل نظام الأسد الانفتاح الجديد بين البلدين من أجل زيادة دعمه العسكري لـ"حزب الله" ودفع الحزب، في الوقت الملائم، الى تفجير المواجهة مع اسرائيل. بل ان أميركا ودولاً أخرى تؤيد العلاقات الطبيعية بين لبنان وسوريا من أجل تكريس الاستقلال اللبناني عن سوريا ودفع نظام الأسد الى تقبل هذا الواقع المشروع المدعوم عربياً ودولياً على نطاق واسع، واتخاذ مجموعة خطوات واجراءات محددة لتثبيت هذا الواقع أبرزها ترسيم الحدود وضبطها وتأكيد لبنانية منطقة شبعا رسمياً وخطياً تمهيداً لاستعادتها بالوسائل الديبلوماسية والتخلي عن منطق الوصاية والتبعية في التعامل مع اللبنانيين.
ثلاثة مطالب أميركية
وأبلغنا ديبلوماسي أوروبي مطلع " ان أميركا ودولاً غربية أخرى كفرنسا وبريطانيا والمانيا ترى ان طرح موضوع سلاح "حزب الله" من جانبها ليس تدخلاً في الشؤون الداخلية اللبنانية اذ ان هذا الموضوع ليس مجرد موضوع داخلي يعني اللبنانيين وحدهم بل انه موضوع ذو أبعاد اقليمية ودولية للأسباب الآتية:
أولاً: قضية سلاح "حزب الله" خاضعة لاشراف مجلس الأمن الدولي الذي أصدر مجموعة قرارات أبرزها القراران 1559 و1701 تدعم سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها وحقها الحصري في امتلاك السلاح وتطالب بتجريد الميليشيات والتنظيمات المسلحة من أسلحتها وهو ما يشمل "حزب الله" وفقاً للأمم المتحدة. ويتابع مجلس الأمن بانتظام تطورات قضية سلاح "حزب الله" عبر التقارير التي يقدمها له الأمين العام للأمم المتحدة.
ثانياً: القرار 1701 يطالب صراحة وبوضوح كل الدول باتخاذ الاجراءات الضرورية اللازمة لمنع تزويد " أي كيان أو أشخاص في لبنان " الأسلحة والذخيرة والمعدات الحربية المختلفة وينص على ضرورة عدم وجود أسلحة مع أي طرف خارج السلطة الشرعية ومن دون موافقتها.
ثالثاً: احتفاظ "حزب الله" بسلاحه وبقرار تفجير الحرب مع اسرائيل من دون الحصول على موافقة الدولة والسلطة الشرعية يهدد بتفجير حرب جديدة لبنانية – اسرائيلية في أي وقت يلائم سوريا وايران، خصوصاً أن الحزب مرتبط أساساً بالمحور السوري – الايراني.
رابعاً: أي حرب لبنانية – اسرائيلية جديدة، أيا تكن أسبابها، ستتحول حرباً اقليمية تشمل سوريا وجهات أخرى مما يشكل تهديداً بالغ الخطورة للأمن والاستقرار والسلام في المنطقة وتاليا للأمن والسلام العالميين.
وأفاد ديبلوماسي غربي مطلع "أن ادارة أوباما تريد استغلال أزمتها الحالية مع سوريا من أجل تحقيق ثلاثة مطالب أساسية هي الآتية:
أولاً: ترك المجال مفتوحاً أمام النظام السوري لسحب معدات حربية متطورة قد يكون أرسلها الى "حزب الله" واتاحة الفرصة أمامه لابعاد مجموعة من صواريخ "سكود" عن الحدود مع لبنان يتردد في واشنطن ان السوريين وضعوها هناك تمهيداً لارسالها الى "حزب الله".
ثانياً: دفع نظام الأسد الى "لجم" "حزب الله"، لأنه مسؤول عنه، ومنعه من استخدام أسلحته لتفجير حرب جديدة مع اسرائيل لأي سبب من الأسباب في مقابل امتناع الاسرائيليين عن القيام بعملية عسكرية استباقية ضد لبنان وسوريا.
ثالثاً: دفع نظام الأسد الى التعاون مع الحكم اللبناني من أجل تبني استراتيجية دفاعية لبنانية جديدة تشمل ضبط استخدام سلاح "حزب الله" ووضع هذا السلاح في تصرف الدولة وتخلي الحزب عن قرار الحرب للسلطة الشرعية.
وخلص هذا الديبلوماسي الغربي الى "أن مستقبل العلاقات الأميركية – السورية مرتبط الى حد كبير بطريقة تعامل نظام الأسد مع هذه المطالب الأميركية المدعومة أوروبياً ومن جهات عربية بارزة. وستظل قضية سلاح "حزب الله" بمثابة قنبلة موقوتة تهدد مصير العلاقات بين واشنطن ودمشق وتعوق تحسينها الى أن يتم ايجاد حل لها في اطار احترام سيادة الدولة اللبنانية وسلطتها الشرعية. ولهذا السبب حذرت ادارة أوباما رسمياً نظام الأسد من "عواقب وخيمة" يمكن أن تلحق بسوريا اذا ما زوّد "حزب الله" أسلحة متطورة وصواريخ "سكود" أرض – أرض بعيدة المدى".