#adsense

لبنان بين حَجَري الرحى

حجم الخط

في أحد المنتديات النيابية العربية المرعية من قبل الأمم المتحدة، انبرت المندوبة المغربية المفوهة للإشادة بشكل شديد العاطفة بمقاومة لبنان وصموده في وجه العدوان الإسرائيلي وعن أن كل الأمة العربية متضامنة مع الشعب اللبناني. فما كان من أحد النواب اللبنانيين إلا أن شكر السيدة الفاضلة على عاطفتها القومية النبيلة ولكنه اقترح عليها أن تقوم مع بعض زملائها النواب في المغرب بحركة احتجاجية على استمرار العلاقات غير الرسمية بين إسرائيل والمغرب كتعبير رمزي عن هذا التضامن، فأجابت: "نحن نقوم بما يسر لنا، أما انتم فقدركم هو المقاومة".

بطبيعة الحال، فإن لبنان لا يمكنه أن يغير تاريخه ولا جغرافيته وقد يكون هذا قدر اللبنانيين. ولكن، وبنظرة الى الوراء لنرى ما كلفة هذا القدر منذ العام 1968، عندما حدث الاعتداء الشهير على مطار بيروت، فإن الحصيلة المباشرة لاعتداءات إسرائيل على لبنان هي 24000 قتيل و49000 جريح، وخسارة مباشرة بسبب الدمار تعدت 25 مليار دولار أميركي. هذا طبعاً دون حساب الفرص الاقتصادية الضائعة وفقدان النمو وهجرة ثلث السكان، وأكثرهم طبعاً من النخب، وبالطبع فإن أرقام الخسارة عندها تصبح في عالم الغيب، أو عالم القدر نفسه الذي حكم لبنان.

وبالعودة الى الحرب الأخيرة في تموز 2006، فقد بلغت خسائر العدو 104 عسكريين و40 مدنياً، وسقط على الأراضي المحتلة نحو خمسة آلاف صاروخ، أما الخسائر المادية المباشرة وغير المباشرة فيقال انها وصلت الى خمسة مليارات دولار وهذا بالإجمال يعادل أقل من 4% من الناتج القومي لدولة العدو. كما أدى الى نزوح جزئي ومنظم لسكان المستعمرات الشمالية.

اما من ناحية لبنان، فقد شاء القدر أن يخسر 1200 شهيد مدني و4400 جريح، أما الخسائر المادية فقد تعدت المباشرة منها خمسة مليارات دولار وغير المباشرة والمتعلقة بخسارة الفرص والنمو ستة مليارات، وهذا يعني أن الخسارة فاقت ثلث الناتج القومي الوطني. يعني انه بالمقارنة المجردة لا يمكن إلا الإقرار بأن الخسارة المباشرة اللبنانية فاقت بعدة أضعاف خسارة العدو، كما أن المصيبة هي أن لبنان لا يزال يعاني بعد أربع سنوات من الآثار المباشرة لهذه الحرب في حين أن دولة العدو تمكنت من تجاوزها بعد أشهر قليلة.

أما من الناحية السياسية، فقد أدخل العدوان لبنان في دوامة وصلت الى حد الحرب الأهلية كما حدث في السابع من أيار، وأدى الى انقسام حاد على مختلف المستويات الاجتماعية، كما أنه أجج الشعور المذهبي ووضعه في واجهة المخاطر الوطنية.

أما من جهة العدو، فلا شك أن الحرب ونتائجها طرحت إشكالية وجودية لإسرائيل، ولكن بنفس الوقت، فإن ذلك انعكس في مجتمع أكثر توحداً حول العدوانية كما ظهر في التغييرات التي حصلت على مستوى الحكم عندما استبدل متعصب مثل أولمرت بمن هو أكثر تعصباً مثل نتنياهو.

أما على المستوى الاستراتيجي، فقد طرحت نتائج هذه الحرب إشكالية جديدة على المستوى العسكري وهي دخول منطق الصواريخ في المعادلة، وعدم قدرة دولة مسلحة مثل إسرائيل على القضاء على منظمة فيها مقاومون على مستوى عالٍ من التدريب، ولكن على مستوى مميز من الالتزام العقائدي الذي يسوغ مسألة التضحية بالذات.

وقد قيل يومها في أحد التحاليل السياسية العسكرية إن هذه التجربة ما هي إلا مصغر عما يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة وإسرائيل في حال قررتا المواجهة المباشرة مع إيران التي تحتوي على عشرات الأضعاف من القدرات الصاروخية لحزب الله، وبالتأكيد على عدة مئات من الآلاف من الحرس الثوري، وربما من قوات التعبئة.

بالمحصلة العامة عن تلك الحرب، فإن "حزب الله" لم يخسر لأن إسرائيل لم تتمكن من القضاء عليه (هذا في حال كان هو هدف إسرائيل) وإسرائيل لم تنتصر لأنها لم تتمكن من تحقيق هدفها النظري وهو القضاء على "حزب الله"، أما الخاسر الأوحد فقد كان لبنان الذي فقد شهداء وفقد بنيانه وفرص نموه، والأهم فقد فرص استقراره السياسي والأمني.

فإذا كانت مسألتا تحرير الاسرى ومزارع شبعا تمثلان الأسباب الأساسية لحرب 2006، فاليوم، وبعد انتهاء مسألة الاسرى، وغياب حتى الحديث عن مزارع شبعا، فإن مسألة التوازن الاقليمي، وربما الدولي هي ما ستكون عنواناً للحرب القادمة إذا ما وقعت، ويعني مجدداً أن لبنان، بأيدي أبنائه، سوف يدفع قسراً ثمن قدره بكونه ساحة النزال الوحيدة اقليمياً، هذا على الرغم من أن حجم التصاريح والتهديدات يوحي بأن ساحة المعركة قد تكون هذه المرة أوسع من الجغرافيا اللبنانية، ولكن المؤكد للأسف هو أن ساحة لبنان ستكون الساحة الأساسية.

في غمرة هذا كله، فإن الدولة اللبنانية الواقعة بين حجري الرحى الدولي والاقليمي، لا تزال تسعى الى ايجاد نوع من شبكة أمان لتفادي الكاس المرّ وربما تأجيل ما قد يكون أمراً محتوماً، إلا في حال حصول معجزة اقليمية ودولية قد تتمثل في حل سحري للملف النووي الإيراني، أو في فتح باب أمل جديد في عملية السلام، أو الاثنين معاً وإن كان أمراً مستبعداً.

لذلك فمن الضروري اليوم الالتفاف حول الدولة وتفويضها وحدها اتخاذ الإجراءات والمبادرات الآيلة الى حماية لبنان باعتبار هذه الحماية مسألة وطنية وعربية ودولية ومن الضروري أيضاً الالتزام بالقرار 1701 بمندرجاته كافة من قبل جميع الأطراف ودعوة الدولة في ظل ترؤس لبنان الدورة الحالية لمجلس الأمن، الى تفعيل مشروع السلام في المنطقة على أساس مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، لأن سلامة لبنان واستقراره جزء من سلام المنطقة واستقرارها.
لذلك فقد كان طبيعياً أن يقوم رئيس الحكومة بمساعٍ استباقية علّى قدر لبنان يتحوّل الى السلام والازدهار بدلاً من الدمار.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل