أميركا وإسرائيل في مأزق غير مسبوق منذ أحداث 11 أيلول
إيران وصعوبة عدم اندفاعها الى الصدام
يصعب إقناع منظومة "الممانعة" التي تقودها إيران بأنّ أميركا وإسرائيل ليستا في مأزق. ويصعب فوق ذلك، بل يستحيل، أن تقتنع منظومة "الممانعة" بأنّ ثمّة خطوطاً عليها ألا تتجاوزها في مجرى الكباش الحاصل في المنطقة.
هذه المنظومة تبدو أقرب إلى التصرّف كما لو أنّه ليس من نيّة ولا قدرة لدى اسرائيل على شن عدوان ولا نيّة ولا قدرة للولايات المتحدة لمؤازرة عدوان. والمنظومة، إذ تستند إلى مثل هذه القناعة، لا يسعها إلا العمل بثبات، لتغيير الوقائع الميدانية في طول الشرق الأوسط وعرضه، كي لا يأتي يوم يكون مثل هذا العدوان الإسرائيليّ ممكناً، أو تكون المؤازرة الأميركيّة ممكنة.
والممانعة، تصيب بلا شك، جزءاً من الحقيقة: بالفعل، أميركا وإسرائيل في مأزق لا تحسدان عليه. بل إنّه أكبر مأزق عرفته القوّة الأميركيّة العظمى منذ نهاية الحرب الباردة، وأكبر مأزق عرفته الدولة الصهيونيّة منذ قيامها.
وفي المحصّلة العامّة يمكن المجازفة بالقول ان الإنحدار في مستوى الهيمنة الأميركيّة على العالم أو في مستوى التفوّق الإسرائيليّ في الشرق الأوسط حصل منذ هجمات 11 أيلول 2001. كل ما حدث بعد هذه الهجمات يمكن إدراجه في المسار الإنحداريّ للهيمنة الأميركيّة على العالم وللتفوّق الإسرائيليّ في الشرق الأوسط.
يبدو مستهجناً الربط بين هجمات 11 أيلول 2001 وبين الإنحدار العام في الغرب وأميركا وإسرائيل. لكنّ مجرّد المقارنة بين العقد الذي سبق هذه الهجمات والعقد الذي تلاها يظهر أنّ هذا التاريخ بالذات هو مفصل حقيقيّ، وأنّ الحدث الذي حمل توقيع تنظيم "القاعدة" جاء ليكشف ويسرّع عناصر العطب سواء في الحضارة الغربية أو في الهيمنة العالميّة الأميركيّة أو في التفوّق الإقليميّ الإسرائيليّ.
باعدَ هذا الحدث بين أميركا وأوروبا بدلاً من أن يقرّب بينهما. عطّل مسيرة التوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق السوفياتيّ السابق. خرجت قوى الأصوليّة والممانعة في الشرق الأوسط بنتيجته أكثر قوّة من ذي قبل. وتضاعفت الكراهية ضدّ اليهود لتقارن بمستواها في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، ولتفرض مناخاً من العزلة حول الدولة العبريّة، ومناخاً من الإنعزال فيها.
ووجه "المفارقة" الكبرى أنّ الحدث الذي بدّل العالم على هذا الشكل حَمَلَ توقيع تنظيم "القاعدة" في حين أنّ النظامَ الذي أستفاد أكثر من الجميع في العالم من كل هذه التبدّلات هو النظام الإيرانيّ.
لأجل ذلك بالضبط يصعب على إيران ألا تسير على هدي من المسار الذي تفترضه مثل هذه الصورة الإجماليّة للعالم. يصعب عليها بالنتيجة أخذ العناصر الأخرى للواقع بالإعتبار. ذلك أنّ معادلتها بسيطة: الغرب أصيب بمرض اسمه عقيدة "الصفر ضحيّة". يريد أن يحارب ولا يريد أن يضّحي بجنوده. لا يريد أن يضحّي بجنوده لكنه لا يمكنه أن يفعل شيئاً حيال تراجع وزنه على الصعيد الديموغرافيّ. وهذه المعادلة تنسب للغرب جملة، كما لأميركا، كما لإسرائيل.
ما لا تستطيع المنظومة الإيرانية أن تفهمه بعد ذلك هو أنّ عقيدة "الصفر ضحية" وإن كانت مؤشراً على "رفاهيّة" ما يعيشها الغرب أو أميركا أو إسرائيل بما يشلّ الحركة، أو مؤشراً على "تعب" ما يصيب الغرب أو أميركا أو إسرائيل، إلا أنّ هذه العقيدة، التي تأتي كإنعكاس للتراجع في الثقل الديموغرافيّ وللتقدّم في المجال التكنولوجيّ والعلميّ، تصبح لاغية تماماً، عندما لا يمكنها الدفاع لا عن الحدّ الأدنى من "الأمن الديموغرافيّ" ولا عن الحدّ الأدنى من "إحتكار المجال التكنولوجيّ والعلميّ".
إنّ الإعتقاد بأنّه يمكن "إضعاف" الغرب أو أميركا أو إسرائيل من خلال الإتكاء على إلتزام هؤلاء بعقيدة "الصفر ضحيّة" والهرب من التضحية في مجال القتال هو الإعتقاد الذي عبّر عن نفسه في 11 أيلول، وهو الإعتقاد المتحوّل إلى أيديولوجيّة رسميّة في إيران مع تولّي محمود أحمدي نجاد زمام الأمور. وعليه تكون الخلاصة أنّه يصعب على إيران أن توقف إندفاعها نحو الصدام.
حتى الساعة لا يقدّر أحد تداعيات مثل هذا الإعتقاد، على إيران وعلى المنطقة. يمكن إستدراك ذلك نظريّاً بالتذكير بأن عقيدة "الصفر ضحيّة" هي فرع من مبدأ أكثر شموليّة: وهو مبدأ "اللاتناسب في مستوى التدمير". إنّه المبدأ الذي لا يزال يسيطر عليه الغرب حضارياً، وأميركا عالمياً، والذي شئنا أم أبينا تحتكره إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. قد تكون عقيدة "الصفر ضحية" وجهاً لهذا المبدأ وقد لا تكون. وفي النهاية، ينبغي عدم نسيان القانون الأساسيّ للحسم في العصور الحديثة، كما اكتشفه ماركس: "نهاية من رعب خيرٌ من رعب بلا نهاية".