تعثّر مساعي تأليف اللائحة التوافقية حرّك حماسة الشارع البيروتي للإنتخابات
سقوط محاولات تكريس واقع سياسي يتجاوز موازين القوى الناخبة
<إن صيغة الائتلاف المطروحة بشروط التيار العوني وحزب الله ستؤدي الى انتخاب مجلس بلدي غير فاعل>
حرّكت الأنباء التي ترددت في اليومين الأخيرين عن تعثّر المساعي المبذولة لتأليف لائحة ائتلافية تجمع تيار المستقبل وحلفائه المسيحيين من قوي 14 آذار من جهة والتيار العوني وحزب الله من جهة أخرى بسبب المطالب التعجيزية التي طرحها الحزب، الشارع البيروتي بشكل عام بدأ التحضيرات لخوض الانتخابات البلدية بحيوية اكثر عما كانت عليه من قبل، في حين لم يخفِ معظم أبناء العاصمة ارتياحهم الظاهري لفشل هذه المساعي وعدم الانصياع للشروط المطروحة من الفريق السياسي الذي لم يقدّم لبيروت وأبنائها إلا الضرر والتهديد طوال السنوات الماضية ولم يسلّفها ما يبدّد مشاعر النفور تجاهها ويقرّبها الى قلوب البيروتيين ويمحو كل ترسبات وشظايا الماضي القريب بكل سلبياته.
ولا شك أن مبعث الارتياح عائد ليس إلى تعثّر مساعي تأليف لائحة ائتلافية تضم جميع الأطراف السياسيين الفاعلين في العاصمة، وإنما الى عدم فتح المجال أمام مثل هذه الصيغة الائتلافية المطروحة لتكون مدخلاً لتجاوز نتائج الانتخابات النيابية الماضية والقفز فوق توجهات الناخبين، لتكريس واقع سياسي جديد، يكون مشابهاً لواقع تشكيل الحكومة الحالي التي تجاوز تشكيلها ما أفرزته الانتخابات النيابية، وأصبحت معظم قراراتها تخضع لصيغة تأليفها وليس الى نتائج الانتخابات النيابية.
ولا يخفى على أحد أن صيغة الائتلاف المطروحة بشروط التيار العوني وحزب الله كما تردد في معظم وسائل الإعلام، ستؤدي في حال الاتفاق عليها تحت أي ظرف من الظروف الى انتخاب مجلس بلدي جديد لمدينة بيروت غير قادر على التحرك بفاعلية لاتخاذ القرارات ووضع الخطط المطلوبة لتطوير العاصمة والقيام بما هو مطلوب منه تجاه المواطنين، بفعل تجاذب القوى السياسية بداخله، كما هي حال معظم المجالس البلدية المماثلة التي تضم قوى سياسية غير متجانسة، وهو ما يصيب بيروت بأشد الضرر، في الوقت الذي تحتاج فيه الى وجود مجلس بلدي يعمل باندفاع وبأسلوب فاعل كي يستطيع مواكبة كل ما هو مطلوب منه للنهوض وتزايد متطلبات المواطنين وحركة السياحة فيها.
وتكاد بلدية بيروت تكون الوحيدة التي لا تتساوى مع بلديات المدن اللبنانية الأخرى على اختلافها في الصلاحيات الممنوحة لها للقيام بالمهمات المطلوبة منها بحسب القانون في ظل وجود المحافظ الذي يتمتع بالصلاحيات التنفيذية بالرغم من أنه موظف يعيّن من قبل مجلس الوزراء وليس منتخباً من قبل الشعب كما هو حال رئيس وأعضاء المجلس البلدي، وهو ما يزيد الأمور تعقيداً في حال لم يكن المجلس البلدي قادراً على التحرك بفاعلية في اتخاذ القرارات المطلوبة، وهو ما ينعكس سلباً على مصالح أبناء بيروت وعلى الخطط المطلوب وضعها لمواكبة حركة التطور السكاني والعمراني المضطردة فيها خلافاً لبقية المدن والمناطق الأخرى.
وفي ضوء ما حصل، تظهر الوقائع أن انسداد مساعي الجهود المبذولة لتحقيق الائتلاف والتي أصبحت شبه معدومة، سيؤدي الى خوض الانتخابات بحماسة أقوى من وجود لائحة ائتلافية لأن معظم الناخبين تحبّذ خوض الانتخابات ضمن موازين القوى القائمة، كي يعرف كل طرف ما يتمتع به من تأييد شعبي على الأرض، لأن اللوائح التوافقية في معظمها تحجب ما يتمتع به بعض الأطراف من تأييد شعبي كما يحصل في بعض المناطق.
وذلك، انطلاقاً من الاختلال الملموس في موازين القوى الشعبية بمعظم مناطق العاصمة لغير صالح التيار العوني وحليفه حزب الله وأتباعهما من القوى والشخصيات الرمزية، لا بد من ترقب الأساليب التي ستتّبع، إن كان في تشكيل اللوائح أو الشعارات التي ستطرح خلال المعركة الانتخابية وأصبح معظمها متداولاً على ألسنة الناس وهي لا تختلف عن الشعارات والأساليب التي استعملت في أول انتخابات بلدية جرت بعد اتفاق الطائف في العام 1998 واستعملت كل أساليب الدعاية الظاهرية والخفية للترويج لها وبثها في كافة شرائح الناخبين كالدعوة الى انتخاب 24 عضواً من الطائفة السنية فقط وتشطيب كل المرشحين المسيحيين الآخرين، لإسقاط الصيغة الانتخابية الموحدة للمدينة وتسهيل تقسيمها الى دوائر طائفية ومذهبية كما يروّج ويسعى لذلك التيار العوني، ولتحقيق اختراق في اللائحة المدعومة من تيار المستقبل وحلفائه لاستعمال هذا الاختراق في تظهير القوة الشعبية المزيفة للقوى التي تقف وراء هذا الاختراق في اللعبة السياسية الداخلية، وهذا ما يجب التنبه له وإجهاضه.