الإرباك الرسمي غير المبرر يضع صدقية الدولة أمام محاذير
أربع رسائل من السفارة الأميركية حول زيارة الوفد الأمني
أدت الانتقادات التي ساقها مسؤولون في " حزب الله" ضد زيارة الوفد الاميركي للمصنع الى ارباك على المستوى الوزاري والامني اللبناني لم يحسن المسؤولون الذين تولوا الردود الفورية على مختلف المستويات التعاطي معه، فوقعوا في فخ المزايدات والنفي في حين كان يفترض القيام بالاتصالات اللازمة لاستيضاح حقيقة الموضوع قبل الادلاء بمواقف تبين بعد ساعات قليلة واحيانا اقل انها خاطئة. ذلك ان الزيارة هي جزء من برنامج مساعدات من الولايات المتحدة قائم منذ العام 2006 وتاليا فهو ليس جديدا، فضلا عن ان المسؤولين المعنيين تم ابلاغهم عبر مراسلات خطية تناولت على الاقل، وفق معلومات توافرت لـ"النهار"، وزارة الداخلية والامن العام (كل بمفرده) وقيادة الجيش اللبناني، الى جانب مكتب الجمارك. وكل من هذه الرسائل وجهت الى القيمين المعنيين بالاسماء وليس على نحو يثير التساؤلات حول أي جهة او شخص وجهت اليه هذه الرسائل. وقد أحدثت هذه الردود انزعاجا شديدا على مستوى عال وعلى رد فعل مستغرب من دوائر عدة باعتبار انه قد يفهم استهداف "حزب الله" لأي تحرك اميركي من اي نوع كان باعتبار ان ذلك يشكل جزءا من سياسته، لكن ان يقع المسؤولون في مغالطات متسرعة تحت وطأة الانتقادات فأمر ينعكس ليس فقط على صدقية المسؤولين بل ايضا على مستوى الدولة اللبنانية ككل وعلى صدقية التزاماتها مع الخارج، علما ان كثرا يعتقدون انه حتى "حزب الله" ملزم هذه الالتزمات ما دام يشكل جزءا من الحكومة ويشارك ممثلوه في السلطة في هذه الالتزامات، في وقت يواجه الحكومة والمسؤولون وضعا اكثر احراجا متى عمدوا الى توضيح الامور تحت وطأة اتهامهم بالدفاع عن الاميركيين، في حين ان برنامج المساعدة هو للبنان ولمصلحته على نحو كلي ويفترض ان يكون "حزب الله" على اطلاع على تفاصيله عبر ممثليه الامنيين الكبار في الاجهزة الامنية.
وقد حصلت "النهار" على نسخ لنصوص اربع رسائل باللغة الانكيزية في تاريخ 16 نيسان الماضي وجهتها السفارة الاميركية في بيروت تبلغ فيها المسؤولين اللبنانيين المعنيين بزيارة الوفد الاميركي الى المصنع، كما تبلغ الامن العام اضافة الى ذلك بزيارة الوفد الى مرفأ بيروت الثلثاء في 27 نيسان، وزيارتين اخريين لمطار رفيق الحريري الدولي والى المصنع. وفي مضمون الرسائل انه "يسر السفارة الاميركية في بيروت ابلاغكم بزيارة وفد من مكتب الامن الديبلوماسي، مكتب المساعدة على مكافحة الارهاب في وزارة الخارجية الاميركية بين 26 نيسان والثلاثين منه".
وحددت الرسائل هدف الزيارة بـ" استطلاع فاعلية المساعدة على مكافحة الارهاب والتدريب والمساعدة المقدمين للبنان في هذا المجال حتى الان ولمناقشة القدرات والمساعدة المستقبلية ضد الارهاب وتقويمها". وتوضح الرسائل انه "استنادا الى ما تعلمونه اصلا عن برنامج مساعدة مكافحة الارهاب، الذي وضع مع الدولة اللبنانية منذ العام 2006، فإنه يقدم التدريب المتطور للاجهزة الامنية ومؤسسات دعم القانون وتطبيقه في لبنان". وتضيف: "ستتم مناقشة برنامج التدريب المرجو بما تعنيه من ادارة ازمات وتحقيقات، تحليل التهديدات، مراقبة الحدود وأمن الطيران، وردود الفعل الدقيقة على الاحداث".
والرسائل الاربع تحمل المضمون نفسه تقريبا مع تفاصيل اضافية في بعضها عن مواعيد اللقاءات التي كانت ستحصل.
هذا الواقع قد يكون خافيا على بعض الاوساط اللبنانية لكنه محرج الى اقصى الحدود للحكومة لا بل للدولة اللبنانية ككل في الداخل كما في الخارج، اذ ان الضجيج حول الموضوع والارباك يظهر كأن أركان الدولة يرتكبون الاخطاء من خلال تعريض سيادة لبنان للخطر، وفق ما ذهبت بعض المواقف والتصريحات. اضافة الى ان لهذا الضجيج انعكاساته على مستويات عدة من بينها اعطاء الانطباع ان الدولة اللبنانية هي ليست بدولة في الواقع في ظل حالة فلتان وعدم تماسك حيث تحصل أمور على مستوى علاقات مهمة مع دول لا يعلم بها المسؤولون، في حين ان هذا الامر غير صحيح باعتبار ان جهودا تبذل على أعلى المستويات من خلال زيارات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري من اجل ابراز صورة عودة الدولة وقدرتها على التماسك وعلى ادارة شؤونها.
إن ما يحصل يرتد على لبنان في العمق، اذ ان اجتماع اللجان في الكونغرس الاميركي التي تبت هذه الامور يمكن ان يثير تساؤلات حول جدوى تقديم مساعدات لبلد حيث لا تتعرض هذه المساعدات لانتقاد باعتبار ان هذا امر محتمل، انما للتنصل من المسؤولين المعنيين ايضا. انه امر يؤدي الى اعادة نظر عميقة قد لا يتحمل لبنان انعكاساتها خصوصا متى لم تقف عند حدود دولة محددة لتطاول دولا اخرى تشكك في صدقية الدولة اللبنانية.
وثمة من يعتبر ان رد الفعل الفوري والمتسرع لبعض الوزراء والمسؤولين يظهر نجاح عمليات الضغط والانتقادات التي يشنها بعض الافرقاء بما يشجعهم على المضي في هذا الاسلوب في المستقبل بحيث تفرض ممنوعات معينة على لبنان وعلى الدولة ككل، كما تفرض على الآخرين ان يكونوا دوما في موقع الدفاع.