لعل اهم ما صرح به رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني زائر لبنان في الايام الثلاثة الاخيرة، هو نصحه اللبنانيين بالتركيز على ما يوحدهم بدل التركيز على ما يفرقهم. وكان من المهم بمكان لمسؤول قطري في مستوى رئيس الوزراء ان يقول كلاما في اسبقية الوحدة الوطنية على السلاح في مرحلة هي من ادق المراحل التي يمر بها لبنان حيث تتطاير التهديدات بالحرب من هنا وهناك. ومعلوم ان صور امير قطر ترتفع في عدد كبير من القرى والبلدات التي يسيطر عليها "حزب الله" دلالة على العلاقة "الحميمة" التي تربط هذا التنظيم بدولة قطر المستوعبة تناقضات المنطقة والاقليم على ارضها وفي سياساتها.
لقد كرر المسؤول القطري دعوته الى التضامن والوحدة الداخلية اكثر من مرة في شكل علني، وشدد على ذلك في لقاءاته الخاصة حيث كان كلام على لبنان مدعو الى تجنب التوترات الداخلية، لأن التهديدات لا صلة لها في حقيقة الامر بالواقع اللبناني بل بالصورة الاوسع، اي بالنزاع الايراني مع المجتمع الدولي، وخصوصاً ان زمن الاستحقاقات اقترب وباتت الاوراق تطرح على الطاولة.
والأكيد أن الشيخ حمد سمع كلاما عن الوحدة الوطنية في هذه المرحلة بعضه تجميلي وبعضه الآخر صريح، فالوحدة الوطنية ليست فعلا آليا في لبنان، وخصوصا اذا كان المطلوب وقوف كل اللبنانيين خلف "حزب الله". هنا لا وحدة وطنية. لا اليوم ولا غدا ولا في اي وقت. هذا هو الكلام الصريح الذي يجب ان يقال في الوقت الذي تجري اكبر محاولة لكم الافواه ومنع الاعتراض على سلاح خطره الداخلي اكبر من خطره الخارجي. فإزاء اي حرب اسرائيلية على لبنان سيقف اللبنانيون معا، ولن يكون لاسرائيل موطئ قدم في عقول اللبنانيين وقلوبهم كما في ارضهم، لأن أمن اسرائيل لا يعني اللبنانيين. اما في الداخل فالامر مختلف. وما يجب ان يسمعه الشيخ حمد هو ان الخطر الكبير لا يتأتى من صواريخ "سكود" التي لا تخيف اللبنانيين، بل من السلاح المنتشر في كل مكان بحماية تنظيم لبناني ورعايته وتغطيته. الخطر الكبير هو في التغلغل المليشيوي في المناطق اللبنانية من دون وازع، وفي محاولة زرع القواعد الامنية والعسكرية في كل مكان، ونسف الخريطة الديموغرافية اللبنانية . الخطر هو في احتلال مقنّع لعاصمة اسمها بيروت، حيث يبقى سيف السلاح والمسلحين والمليشيات مصلتاً فوق الرقاب في الاحياء والازقة ، تماما مثلما يحصل في محيط جبل لبنان الجنوبي وقلبه، وكما يحصل اليوم في اعالي سلسلة جبال لبنان من الباروك الى الارز.
وكما شدد احدهم قبل ايام على ان "السكود" ليس هو المشكلة بل "الكلاشنيكوف" الموجه الى صدور اللبنانيين في الداخل. وهي المشكلة الكبيرة والمستعصية والتي لم تقلل شأنها المصالحات، ولا التموضعات المستجدة، ولا مسرحية "حكومة الوحدة الوطنية " بل ربما شجعت السلاح من خارج الدولة على التنامي والتوسع والتجاسر في كل مكان وموقع.
اهمية النصيحة القطرية انها تتناقض تماما والنظرية التي ينطلق منها اركان "حزب الله" في تبرير استمرار تمسكهم بسلاح مثير لانقسام وطني كبير، ومفادها انهم لا ينتظرون اجماعا لكي يواصلوا نهجهم. من هنا السؤال: اي وحدة وطنية في ظل معادلة قامت وتقوم على التخويف والترهيب والابتزاز خارج الدولة وداخلها؟
خلاصة القول انه في حال نشوب الحرب، وايا تكن مبرراتها واسبابها، سيكون لبنان موحدا بدافع انساني ووطني. ولكن الاعتراض والاحتجاج على سلاح يمثل تهديدا داخليا قبل اي شيء آخر سيبقى ويستمر ما دام السلاح.