#adsense

في مناسبة عيد العمال كيف قضت البيروقراطية على حلم البروليتاريا

حجم الخط

"يا غلبان بلدنا يا فلاح يا صانع يا شحم السواقي يا فحم المصانع ما تتعبش عقلك بشغل السياسة وشوف أنت شغلك بهمة وحماسة"
أحمد فؤاد نجم

البروليتاريا
ربما كان أول من استخدم تعبير البروليتاريا هو المفكر سان سيمون (1760 1925) لوصف الفئة التي لا تملك أي نصيب من الثروة العامة ولا تحظى بأي من ضمانات الحياة، وحسب ما قال فإنها طبقة "بلا ماضٍ وبلا مستقبل". أما بالنسبة لكارل ماركس (1818 1883) فإنه رأى أن البروليتاريا هي الطبقة التي تحمل أعباء كل المجتمع دون أن تنال شيئاً من ميزاته، فهي طبقة تعتمد على أن تكون مستخدمة في عمل ما، وبالتالي فإن أفرادها يأكلون من بيع عملهم. وهكذا فإن العمل يصبح سلعة جديدة خاضعة لقوانين العرض والطلب. وقد حدد أفراد هذه الطبقة بمن يعملون في المصانع ولا يملكون أياً من وسائل الانتاج. لذلك فإن بداية وجود هذه الطبقة بالنسبة لماركس كانت في القرن الثامن عشر، مع بداية الثورة الصناعية في انكلترا حين اخترعت الآلات البخارية للغزل والنسيج.

وقد كانت هذه الآلات مرتفعة السعر بحيث لم يتمكن من امتلاكها إلا أصحاب الثروات الكبيرة. وقد ساهم هذا في اختفاء طبقة الحرفيين لعدم قدرتهم على المنافسة، وأصبح السبيل الوحيد للارتزاق هو بيع قوة العمل لأصحاب الآلات في المصانع. وقد زاد تراكم الأرباح في ثروة أصحاب الرأسمال مما ضاعف في قدرتهم على السيطرة واحتكار وسائل الإنتاج ووضع المجتمع كله تحت سلطتهم.

بالمحصلة، فإن ماركس الذي اعتبر التاريخ سلسلة من صراع الطبقات، استنتج ان مصير البروليتاريا، كونها الأكثرية الساحقة من البشر، هو الثورة والانطلاق للاستيلاء على وسائل الانتاج من الرأسماليين لتصبح ملكاً عاماً يسير على أساس خدمة المصلحة العامة ووفقاً لخطة مشتركة يساهم فيها كل المجتمع، فيستعاض عن مبدأ المنافسة بالمشاركة والتعاون. واعتبر ماركس أيضاً أن انتصار البروليتاريا هو "حتمية تاريخية" وهو خطوة على طريق تحقيق حلم "اليوتوبيا" حيث يعيش البشر في جنة يبنونها على الأرض.

تجربة حكم البروليتاريا!
لقد توقع ماركس، بشكل منطقي، أن الدولة الأكثر استعداداً للثورة البروليتارية هي انكلترا التي أصبحت بسبب الثورة الصناعية البلد الذي تشكل فيه طبقة العمال النسبة الأكبر من السكان.

ولكن يبدو أن تعديلات حصلت على أنظمة الاستخدام هناك أدت الى تأخير هذه الثورة التي انطلقت فجأة في البلد الاقل احتمالاً وهو روسيا التي كانت ولا تزال بلداً اقطاعياً زراعياً وبعيداً كل البعد عن وجود طبقة عمالية في ما عدا بعض المدن الكبرى التي كانت تحوي بعض المصانع.

ولكن ظروف الحرب العالمية الأولى، وتدهور الأوضاع بشكل عام في هذه الامبراطورية الشاسعة، أدى كل ذلك الى الثورة التي اختلطت فيها الأحقاد الطبقية بمشاعر الإحباط الوطني معززة بالخطابات والوعود للثوريين الجدد وكان على رأسهم فلاديمير ايليش لينين.

ولكن سرعان ما غرقت هذه الثورة الفتية تحت وطأة الثورة المضادة التي قادها مؤيدو القيصرية، وبعد وأثناء هذه الثورة غرقت الثورة أيضاً في صراع داخلي بين قياداتها حتى وصل أكثرهم مكراً ودموية وهو جوزف ستالين الذي بدأ منذ العام 1923 بتطبيق رؤيا وحشية لديكتاتورية البروليتاريا من خلال بناء قسري لهذه الطبقة تحت سلطة حزبية بيروقراطية أخذت بالظهور بسرعة (وان لم يسلم افرادها من حملات التطهير والاعدامات والنفي الى معسكرات العمل المعروفة بـ "الغولاغ").

والجدير ذكره هو ان الملايين من الطبقة العاملة ذهبوا ضحية حكم ستالين الطويل، وبأساليب مختلفة، وما كان من هذه الطبقة الا قبول سلطة البيروقراطية الحزبية (من يجلسون خلف المكاتب ويمسكون بزمام السلطة) التي جعلت من المواطنين عبيداً، ولكن بشكل متساو.

وقد قال في هذا الوضع حفيد تروتسكي استبان فولكوف الذي نجا من عملية اغتيال جده على يد مخابرات ستالين ما يلي "ما دام المجتمع يحتاج الى اناس مهرة وتقنيين لتسيير الصناعة، فإن دورهم يبقى قائماً، المشكلة تحدث عندما تحتكر البيروقراطية، كما حدث في روسيا، امتيازات ضخمة وتتحول الى نخبة حاكمة تنهب الفائض من الانتاج وتعيش على تعب الطبقة العامل".

نهاية الحلم المشاعي
بالمحصلة المعروفة فإن حلم المشاعية الثانية او اليوتوبيا انهار بشكل دراماتيكي عند انهيار جدار برلين ومن بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وقد كانت دعوات حرية الفرد هي العامل الأهم في هذا الواقع. ولكن عوامل أخرى ايضا تدخلت في هذا الأمر ومنها التحول الجذري في واقع البروليتاريا التي اصبحت في ظل ثورة المعلومات، والتطور الهائل للتكنولوجيا، وسيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على الاقتصاد العالمي، غير موجودة عمليا في الحسابات الاجتماعية والسياسية على الأقل في الدول الغربية حيث اصبحت هذه الطبقة مشاركة في الارباح من خلال الضمانات الاجتماعية وارتفاع الاجور والمساهمات في اسواق البورصة، وبالتالي فإن نضال هذه الطبقة اصبح محصورا بالمطالبات الفردية وزالت الدعوات الى الاستيلاء مع السلطة امام الدعوات الى التغيير من خلال المؤسسات الديموقراطية القائمة.

أما وضع البروليتاريا في بلدان العالم الثالث فلا يبدو انه قد يشكل يوما (في المدى المنظور) حالة قادرة على التغيير في ظل سطوة السلطة ودخول معظم هذه البلدان في ظل العولمة الاقتصادية.

ولكن، وعلى الرغم من كل ما سبق، فإنه من الواجب اليوم، في عيد العمل، ان نحيي ذكرى الآلاف من المناضلين من مثقفين وعمال الذين لولاهم لما توصل العالم الى التوازن الحاصل اليوم ولكانت الرأسمالية المتوحشة تهيمن على مليارات من البشر لا حقوق لها ولا ضمانات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل