يحلو لبعض "الخبراء" المهتمين بمراقبة ما اذا كانت الانتخابات البلدية والاختيارية التي انطلقت امس في جولتها الاولى ستفضي الى تطور تغييري معين في ملامح "الاجتماع السياسي" في لبنان، ان يروّجوا لنظرية ان العامل العائلي والاهلي قد تمكن من جرّ العامل الحزبي ذي السطوة الكبيرة اليه وليس العكس. وهي خلاصة مبكرة لهذه الانتخابات استنادا الى غلبة واسعة للتوافقات والتفاهمات التي عقدت في معظم أقضية جبل لبنان ولو أنها أفسحت لمعارك اكتسبت بعدا سياسيا في بعض مدن الجبل وبلداته وقراه.
غير ان واقع الحال، حتى مع بعض صوابية هذه النظرية شكلا، يثبت ان القوى الحزبية والسياسية تخرج دوما بمكاسب تفوق كل تنازلاتها أمام القوى العائلية والاهلية حتى لو أسلست لها القياد وانصاعت لخصوصياتها وبعض "قوانينها" في صوغ التحالفات واقامة المعارك.
ما جرى في الجبل، وما هو مرشح لأن يحصل في سواه من المناطق باستثناء قلة متفلتة يعكس تماما حال "التواطؤ" بين القوى الحزبية والعائلية في الغالب على التغيير ومفهومه وآلياته. واذا كان من خسارة حقيقية محققة في هذا الاستحقاق البلدي الذي يمس اللبنة الاساسية الأولى في الحس السلطوي والتكوين الديموقراطي للفرد اللبناني فهي في ترويضه تكرارا على دفن التغيير وتهميشه تهميشا قاتلا. بذلك تخرج القوى السياسية والحزبية بالظفر الحقيقي وليس السلطات المحلية الاهلية، لأن التواطؤ الذي حصل في معظم لبنان ارجأ لست سنوات مقبلة امكان تفلت الناخب من نمط الاستتباع للقوى الحزبية والسياسية وتقليدها وبداية وضع مفهوم مستقل ومتحرر للانماء الحقيقي.
هذا الشعار الذي لم يبق سياسي او زعيم او مسؤول الا وتغرغر به عن الطبيعة الانمائية للانتخابات يبدو أكبر أكذوبة تظلل هذا الاستحقاق، الذي عكس أوسع تواطؤ بين القوى الحزبية والقوى الاهلية على التغيير. بطبيعة الحال ان المسؤولية الاولى في هذا التواطؤ تقع على عاتق المستوى السياسي بشقيه، أي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حين ترك قانون الانتخاب سيفا مصلتا على الاستحقاق وعلى الناخبين حتى ما قبل شهر واحد من بداية الانتخابات، كانت "المؤامرة" الفعلية على التغيير تدور في تلك الابعاد التي استهوت التأخير بديلا من نسف الاستحقاق وتأجيله. كان التواطؤ هناك ايضا عاما شاملا وواسعا، لمآرب مختلفة، ولكنه عكس ذعرا من تغيير أهلي من شأنه ان يخربط قواعد السطوة الحزبية والسياسية على الناس. لكن المفجع أن القوى الاهلية نفسها سهّلت الامر تماما للقوى السياسية واستطابت معها التواطؤ على التغيير وانخرطت معها في مروحة التحالفات والتزكيات والتفاهمات ما خلا بعض الاستثناءات المحدودة. وحتى المعارك القليلة التي اكتسبت مغزى سياسيا معينا غاب عنها كل مفهوم الصراع الانمائي الجدي والحقيقي وبدت استلحاقا بالنمط الصراعي التقليدي الذي يفتقر الى أي نهج تغييري.
سنة بعد الانتخابات النيابية سيحلو معها للقوى الحزبية والسياسية ان ترفع راية الظفر على الناخب المستتبع والناخب المتواطئ، لا أكثر ولا أقل. ولذا فهي انتخابات بلا مذاق، وليس أدل على ذلك من ان الصفة الحميدة الوحيدة التي أمكن العثور عليها في هذا الاستحقاق هي انه يكرس مبدأ دورية الانتخابات في مواعيدها.