#adsense

عندما تصبح كل عائلات لبنان “سياسية”

حجم الخط

الانتخابات البلدية مناسبة للتعرّف إلى مفارقات المجتمع
عندما تصبح كل عائلات لبنان "سياسية"

تعيد الإنتخابات البلدية الإعتبار لـ"العائلة". إذ تطغى الحسابات العائليّة أو تتداخل مع إنتماءات طائفية ومذهبية ومناطقية، ومع خيارات وطنية وإنحيازات إقليميّة. والمفارقات الناشئة عن هذا النوع من التداخلات لا حصر لها. بعضها يعطي الإنطباع بإرتفاع درجة تسييس الأمور لدى اللبنانيين، وبعضها الآخر يعطي إنطباعاً معاكساً بإنتفاء معنى السياسة في لبنان.

في الوقت نفسه يدرك الجميع بشكل أو بآخر أنّه سيحكم على النتائج الإنتخابية بـ"إعادة فرزها" سياسيّاً، وتظهيرها أو تأويلها على أساس حسابات الربح والخسارة على مستويات أكثر شموليّة، كمثل "ثنائية 8 و14 آذار". يعني ذلك بشكل أو بآخر أنّ تأثير الحسابات العائليّة "غير ثابت" قبل الإنتخابات وبعدها. أحياناً تطغى هذه الحسابات بشدّة، وأحياناً تندثر إلى حدّ التوهّم بأنّها ذهبت إلى غير رجعة.

وكل هذا يعيد طرح السؤال عن "النواة الأساسيّة" التي يرجع المجتمع اللبنانيّ إليها في نهاية الأمر. هل إنه "الفرد" أم هي "الأسرة" أو "العائلة" الأوسع أو "العشيرة" أو "البلدة" أو "المنطقة" أو "المذهب" أو "الطائفة" أو المهنة أو الشريحة الإجتماعيّة؟

الجواب الذي تقدّمه الإنتخابات البلدية يعيد الإعتبار كما قلنا لنموذج "العائلة". لكن ليس لأي "عائلة" كان. ليسَ "الأسرة" طبعاً، وليس "العشيرة" أيضاً، وليس مجرّد مرتبة وسطى ما بين الأسرة والعشيرة.

كما أنّنا عندما نتكلّم عن "حسابات عائليّة" تلعب دوراً أساسيّاً في الإنتخابات البلديّة فهذا لا يعني أنّ هذه الحسابات تفيد سلوكاً تصويتيّاً إجماعيّاً داخل كل عائلة لمصلحة هذا الفريق أو ذاك. فأعضاء "العائلة" لا يقومون بإنتخابات داخليّة في ما بينهم لإختيار مرشّحهم إلى المجلس البلديّ مثلاً، ثم يجمعون حوله بإنضباط "مركزيّ ديموقراطيّ". بالطبع لا، فما يحدث هو أن الإنتخابات البلدية هي في الوقت نفسه حلبة الصراع على من له حقّ في تمثيل العائلة الفلانية، وحلبة الصراع بين هذه العائلة الفلانية والعائلات الأخرى، كما أنّ العائلات الأخرى تتدخّل في الصراع الذي ينشب ضمن كل عائلة لكي ينتزع أحد أفرادها حيثيّته التمثيليّة.

إذاً، الحسابات العائلية ليست حسابات "ما قبل سياسيّة" ولا حسابات "ما قبل تحديثيّة". إنّها حسابات سياسيّة بامتياز. ليست "العائلة" ذات الدور في الانتخابات البلدية هي "الأسرة" ولا هي "العشيرة" ولا هي منزلة بين منزلتين، إنّما هي "عائلة سياسيّة" بإمتياز. لئن كنا نحصر حتى الماضي القريب اصطلاح "العائلة السياسيّة" بمجموعة من العائلات التي حقّقت لنفسها حيثيّة "تمثيل برلمانيّ" مستمرّ لجيل أو جيلين، فإنّه بات من الجائز تعميم هذا المصطلح بعد إنتخابات "الجمهوريّة الثانية" البلدية ليشمل كل لبنان. كل لبنان ينقسم إلى "عائلات سياسيّة". وكل عائلة سياسيّة من أصغر إلى أكبر بلدة في لبنان تكثّف المفارقات اللبنانيّة جميعها: مفارقة أنّها لا يمكن أن تختار ممثّلها إلى "ندوة العائلات"، أو المجلس البلديّ، لوحدها، وإنّما تتدخّل العائلات الأخرى في الإختيار، وهي تتدخّل في إختيار ممثّلي العائلات الأخرى، وأحياناً يدمج البعض الحسابات العائلية بحسابات حزبيّة وطائفية ووطنيّة وإقليميّة، وأحياناً يصرّ البعض الآخر على إستقلالية ذاتية للحسابات العائليّة.

ويبقى السؤال عن موقع العائلة السياسية البلدية ودورها في إنتاج (أو إعاقة إنتاج) مضادات المجتمع الحيويّة بوجه واقع محكوم بـ"عدم المساواة الأمنية" بين اللبنانيين؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل