من الأشكاليات التي شابت العقل السياسي مشكلة الأنتماء التي تركت أثرا على كيفية التعريف عن الهوية، وهل هي وطنية أم قومية أم أثنية؟ وبالتالي ارتباطها بالثوابت التي يجب ان تشكل أطارا للعمل السياسي داخل المجمعات شبه السياسية في لبنان.
والواقع ان هذه المجمعات استخدمت الهوية عاملا استقطابيا تعبويا بديلا عن الأيديولوجيا المأزومة. والحال ان الضوابط لم تنجح في عدم اتخاذ هذه المسألة طابعا صداميا متفجرا.
ان مشكلة الأنتماء تطرح اليوم من حيث هي أزمة، فداخل "الوطن" هناك تصارع هويات أو تعدد هوياتي أوجد له آباء الأستقلال منفذا ذكيا هو "التعايش" الذي عاش متعثرا هشا ومصادرا أكثر الأحيان.
ولم تستطع الدولة خلال العقود الماضية أن ترسخ هذا الحل، أو أن فكر الدولة لم يعمل في هذا الاتجاه، فعزز هويات ما قبل الدولة أو الهويات الطائفية التي شكلت البديل للمواطن طالب الحماية. والسبب ان المشكلات التي طبعت حقبة ما قبل الأستقلال، رحّلت الى الحقبة الأستقلالية وبقيت أرثا ثقيلا على كاهل مؤسسة الدولة؟؟
وبالتالي، فقد حاولت المرجعيات السياسية من دون استثناء أن تقوم بعمل توفيقي بين فكر "الدولة" والفكر الديني من دون ان تحدد الخطوط الفاصلة بينهما، لعدم قدرتها أو لعدم رغبتها في ذلك .
ان أشكال الهوية أو الخلاف الهوياتي أخذت تجليات سياسية وحزبية وطائفية، وكان كامنا خلف الصدامات التي استنزفت الوطن. وكان من العوامل التي حالت دون تطبيق اسس الديمقراطية، من تثبيت مفهوم المواطنة الى التعددية الثقافية الى الأعتراف بالآخر … هذه وحدها تحفظ وحدة الشعب والوطن .
ان عجز المجتمع اللبناني عن حل اشكالاته هو في أساس مأزقه الراهن. من هنا، فالحاجة ملحة الى الفكر سياسي متجدد يعمل أولا على تثاقف الهويات، فهناك الكثير من النقاط المشتركة بينها، وبالتالي فان امكان الألتقاء بين الوطني والقومي والأثني ليس بالمستحيل.
لكن المهم هو الخروج بمفهوم واحد للأنتماء يجمع عليه الكل .ان الفكر السياسي المتجدد يعني الأنتقال من مفاهيم القرون الوسطى الى حقبة الحداثة والتنوير .والمقصود تحديدا عقلنة السياسة وضبطها أي خضوعها للعقل العلمي من حيث صحة مقولاتها وموضوعية تحليلاتها ونسقها الممنهج…. وهذا ينسحب على الممارسة التي باتت اليوم بلا حدود أو ضوابط حتى بات المشهد السياسي عندنا هو الأكثر بؤسا في محيطنا .
لقد تحصنت المجمعات السياسية وراء مشكلة الأنتماء لتحصد أكبر قدر ممكن من المكاسب والأمتيازات وذلك بسلوك عاطفي شعاراتي ظاهره المبهرج يستر عقلية رجعوية عنوانها الأنتهاز والأنانية. ان الأنتماء في القاموس السياسي يعني ان تصل العلاقة الى حد ان يضحي المواطن بنفسه في سبيل وطنه، من دون ان ينتظر من الدولة ان تقدم له حتى أبسط الحقوق. وما يسري على الدولة ينسحب حتما على المرجعيات التي لم تقدم للمواطن سوى الشعارات الفارغة . لقد آن الأوان لكي تتذكر الدولة، ومعها المرجعيات، ان الوطن يبقى حفنة تراب ما لم يكن المواطن فيه انسانا صاحب حقوق وقيمة .
ان انتماء اللبناني الى لبنانه لا يمكن ان يترسخ الا اذا سادت فكرة دولة الحقوق والأنسان والعقد الأجتماعي وحرية الفرد. ان خلق هذه الرابطة يعني ان تطوى ثقافة هيمنة نقيض الدولة أي الدين السياسي . فتختفي بالتالي كل الوسائل العديمة القيمة سياسيا. وتتحصن المواطنة في وجه التدخلات السلبية للجوار لو كان في لبنان دولة لربما كان نجا من كارثة الجيوسياسي الأنقسامي، وايضا في وجه محاور ما وراء البحار . لو كان في لبنان دولة، لربما كان نجا من كارثة التأثيرات السلبية التي أصابت الهوية بحالة من التآكل والتشظي، انتهت بأن أشعرت المواطن بمدى ضعف علاقته بالدولة كمؤسسة حامية للحقوق. لكن الأكثر خطورة كان شعور المواطن بضعف انتمائه الى الوطن . ان مشكلة الانتماء مرتبطة بمفهوم الولاء. والولاء هو العنصر المساعد الأوحد للخروج من صراع الهويات واستعمار الأنتماءات المتعددة الوجهات، بشعار " كلنا للوطن".
