كتب نصري الصايغ: عن انقلاب عسكري كان يجب أن يقع، تحدّث اللواء جميل السيد، وعن عدم تنفيذ فكرة الانقلاب، قال اللواء، إنه نادم.
مفاجأة، لم يكن لها الدويّ المفترض، لأن البلد مشغول جداً، في ترتيب خرائبه الانتخابية، البلدية، الحكومية، السياسية، الاقتصادية، المالية، التربوية، الصحية، المعيشية والخدماتية.
مفاجأة، كان يجب أن تتصدّر العناوين، وتفتح فيها ملفات النظام برمّته، لكن ذلك لم يحصل، لأن "ركاب" البلد من اللبنانيين مشغولون جداً، في إعداد وجبات طعام غير فاسدة، وتوضيب لوائح أدوية غير مغشوشة، وتأهيل صحتهم لتمانع المرض.. وحدها.
كان على من يعنيهم الأمر، أن يسألوا اللواء السيد على الأقل، هل بلغ بكم اليأس مراراً، حتى فكرتم باجتراح جهنم الانقلاب، للانقضاض على جحيم الطبقة السياسية الفاسدة، وعلى النظام الطائفي المغلق بشدة فظة، وعلى المجتمع اللبناني نفسه، المصاب بانفصام بلغ حدود الميتاسكيزوفرينيا؟
فات اللبنانيين الاهتمام بانقلاب لم يقع ذات صباح، وفاتهم الاستماع إلى "عذوبة" البلاغ رقم واحد.
من المثير، إضافة التأكد، من أن اليأس من النظام وأهله وناسه وثقافته وإعلامه وأشخاصه وكتابه قد ملأ الفضاء اللبناني برمته، وان هذا النظام، بكل هشاشته، أقوى النظم لانعدام البدائل وفقدان الوسائل.
ماذا لو وقع الانقلاب آنذاك؟… أول النادمين لوقوعه سيكون جميل السيد نفسه.
أولاً: لم يعرف العرب انقلاباً عسكرياً، نقلهم من حال إلى حال أفضل، ولو قليلاً. ولم يعرف العالم الثالث انقلاباً عسكرياً، لم يستدع انقلابات، أفضت في خاتمة بنادقها، إلى القعود في السلطة والقعود عن الإصلاح.
ثانياً: لم يحكم العسكر بلاداً إلا وتركها على شفير حرب أهلية، اثنية، دينية، مذهبية، طائفية، مناطقية… فلتنطق الأحداث العربية بالشواهد.
ثالثاً: لم يتسلّم العسكر حكماً من دون أن يحمي نفسه بشبكة أمان من "عمالقة" الفساد. فقاد ذلك إلى التحكم بحريات الناس ثم بلقمة عيشهم… ارباب السلطة الدكتاتورية، يتربى الفساد على أيديهم… يحكمون بالعسكر، ويستبيحون المال العام. يمكن الاستشهاد بعدد المافيات التي تربت في ظل الحكم الشيوعي الاستبدادي، زمن الاتحاد السوفياتي.
رابعاً: بمن كان سيحكم جميل السيد؟ هل كان سيجلب معه الثكنة إلى الوزارات؟ أم هو كان مضطراً في حال فوزه، أن يستأجر رجالاً مدنيين، على ذمة أنهم ملائكة، في بلد، تعشعش الشياطين في سياساته؟ هل كان سيعيد تجربة اللواء فؤاد شهاب الإصلاحية، عبر أكلة الجبنة من الطبقة السياسية، وعبر "أكلة الحريات الفردية السياسية" التي اختص بها جلاوزة وقادة المكتب الثاني؟
خامساً: هل كان بمقدوره تخطي البنية الطائفية العشائرية، أم أنه كان سيلجأ إلى ما كان متوقعاً لو نجح انقلاب فؤاد عوض وشوقي خير الله مع القوميين، في بداية الستينيات، حيث كان من المفترض، إيلاء الرئاسة إلى ماروني، والحكومة إلى سني، والمجلس إلى شيعي. أي إعادة ترتيب الهيكل الطائفي، بطائفيين مضموني الولاء، لأصحاب السلطة التي تستمد شرعيتها من قوتها، مهما بلغت نظافة شعاراتها وبالغت بها!!!
سادساً: هل كان يمكن للانقلاب الذي فطم قبل أن يولد، أن يعتمد على "طبقة الضباط الشرفاء"؟ لعل اللواء السيد مقتنع، بأن الثكنات العسكرية، لم تخرج غير ما ألفناه من ضباط وقادة فرق وألوية. وما ألفناه وعرفناه، يدلّ على أن الثكنة لا تخرج عباقرة. ولا تخرج ضباطاً مستقلين عن طوائفهم ومناطقهم… وأظن ان التوقف عن الكلام في هذا المقام، يؤمن السلام للكاتب والمكتوب معاً.
سابعاً: هل كان السيد مؤمناً بأن الإصلاح ممكن من فوق؟ ووفق أي برنامج سياسي؟ كيف كان سيتعامل مع زعماء الطوائف؟ هل كان ينوي قذفهم عبر البحر إلى بلاد الله الواسعة؟ هل كان سيحجر على رجال الدين النافذين، أصحاب التضحية بالوطن لمصلحة قلة في الطائفة؟ لعل في إجابته يوما ما، ما يفرحنا لو كان ينوي، او سيحزننا، لو أنه كان يعفّ عنهم.
ثامناً: ماذا كان مصير الحريات عموماً، والحريات الطائفية المستفحلة خصوصاً؟ هل كان الانقلاب، لو نجح، سيصلح القضاء وكيف؟ التجارب في الأنظمة العسكرية تفيد العكس. فإذا كان القاضي يخاف ظل السياسي الطائفي، فكيف سيتعامل مع حاشية السلطة العسكرية وجزمتها؟ هل كان الانقلاب سيوقف زحف الديون ويعيد آلة الانتاج للاقتصاد، ويلجم وحش المال الزاحف على العقارات ومؤسسات الخدمات لخصخصتها؟ وألف سؤال من هذا المستوى…
أخيراً: لو نجح الانقلاب، ذات يوم، في أواسط التسعينيات، لكانت رحلة الفشل قد بدأت في اليوم التالي.
وإذا كنا نصلي ونقول: نجنا يا الله من النظام الطائفي الاستبدادي فإننا سنتضرع له ونتوسله، كي ينجينا من أي نظام عسكري أمني استبدادي، سيجد نفسه مضطراً، ان ينام في فراش واحد مع الطائفية، ليزني زنى سفاحاً، يسمّى وطناً.
مبروك للبنانيين، فشل انقلاب لم يقع ذات يوم. مع التأكيد، بأغلظ الإيمان، أن التغيير في لبنان، قيد الاستحالة.