ما أحلى جبيل يا إخوان. وحدها إختصرت، أو كادت، كل معنى الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظة جبل لبنان.. وهذا رأيي لو سمحتم.
طُمِسَ تمايزها وتنوعها في الانتخابات النيابية الماضية تحت وطأة حسابات مذهبية قصيرة النظر، وأُخذ مجموعها بجريرة جزء منها، وخرجت نتائج جعل منها النائب ميشال عون منصة للادعاء بامتلاك ما لم يملك، وبتمثيل من لم يرد أن يمثله.. وقفز من فوق ذلك ليتشفى برموز أبرز المؤسسات الدستورية الرسمية والدينية على حد سواء، بل وصلت معه النوبة الى حد توعّد بيوت سياسية بالإقفال علماً أنها والجبل وأهله تاريخ واحد لا ينفصم.
صدّق القوي مرحلياً بأصوات غيره، أنه قادر على الاستمرار في جني الأوهام من تحالفاته السياسية الغريبة، وصدّق بعد ذلك أنه قادر على الاستمرار في جني محاصيل زراعة تحالفات كيدية مع أصحاب المشاريع الخاصة، في منطقة أعلت شأن الدولة والدستور والمؤسسات الشرعية في الجمهورية منذ ساعة قيام هذه الجمهورية، بل صدّق (أو ربما أراد أن يصدّق وأن نصدّق) أن الثابت والدائم يمكن أن يُستبدل بالمرحلي والموقت، وأن التطرف بالصوت والكلمة والشعار والممارسة يمكن أن يزيح بشطحة انتخابات أو بـ7 أيار ما، تاريخاً من الاعتدال وثقافته. وهو تاريخ منقوش على حجارة الزمان في أزقة مدينتها العتيقة، ومسكوب مع شعاع البحر والأزرق المسحور في فضائل أهلها منذ بدء التاريخ.
بل افترض صاحبنا وصحبه، أن المدينة التي اخترعت الحرف، لا تعرف أن تفك حروف الشعار المزيّف، ولا تعرف أن تُميّز بين البرنامج الوطني العام والبرنامج الأناني الخاص، ولا تعرف بعد ذلك، كيف تحافظ على سمعة روّادها ورموزها، وكيف تردّ على الإساءة الفظّة والاتهام الكيدي الموجهين الى كبار قومها في الدولة والكنيسة والجامع والمؤسسات الشرعية، وافترض غير ذلك الكثير، وحاول أن يبني صروحاً من رمال لا تصلح لشيء، فلم يحصد في النتيجة، إلا الريح وخيبات أنصاف الليالي. والباقي تفاصيل.
وجبيل بهذا المعنى (الانتخابي البلدي) مثل غيرها في الجبل بكل دوائره، رسمت حدوداً للادعاءات الفضفاضة، وأعادت رسم القوالب من دون تطريز مصطنع، وحددت بدقة، من خلال صناديق الاقتراع ليس إلا، الهوية السياسية لأصحاب الأصوات التي نزلت في تلك الصناديق، صادّة بذلك محاولات التشويه وأهل التشويه ومعيدة الاعتبار الى نبض منطقة بقيت على مدى العقود الثلاثة الماضية عصية على الفتنة والاحتراب، مقررة بوضوح أن تبقى كذلك الى آخر الزمان.