بين خلط الأوراق وتراجع قوى وتقدّم أخرى
الاستحقاق البلدي في دلالاته السياسية الأولية
طغت الايجابية السياسية على تقويم عملية الانتخابات البلدية والاختيارية وغابت النقاط السلبية امنياً وادارياً عموماً بحيث تم التركيز على نقاط عدة من بينها:
ان اجراء لبنان الانتخابات البلدية امر يستحق الثناء عليه رغم انه استحقاق بديهي مبدئي عادي لم يكن ينبغي التوقف والتساؤل عن اجرائه او عدم اجرائه في الدرجة الاولى. لكن الضجة التي اثيرت حولها لأشهر طويلة زادت اهميتها على وقع احتمال كشفها تطور القوى السياسية من خلال استطلاع مواقع قوتها وضعفها بعد عام كامل تقريبا على اجراء الانتخابات النيابية، تماما كما جرى في بلدات ومناطق كشفت قوة البعض وضعف البعض الآخر، باعتبار ان الانتخابات النيابية تغطي من حيث المشاركة فيها من طوائف مختلفة حقيقة الدعم الصافي من ضمن طائفة معينة اذا صحّ التعبير.
وحصول الانتخابات في موعدها بعد مخاض طويل من رفض اجرائها بذريعة إتمام اصلاحات ضرورية وعلى نحو لم يكن مؤكدا في شكل حاسم حتى قبل اسابيع قليلة امر مهم يفيد ان الخوف كان مبالغا فيه من اجراء الانتخابات في موعدها، وان التهويل المرافق لاي استحقاق انتخابي يكون مضخما على نحو مبالغ فيه جدا ما لم يكن هذا التضخيم من اجل فرض نتائج معينة مسبقة تحت وطأة أخطار وتهديدات شتى. ومع ان مراقبين كثرا كانوا يودون رؤية اجراء الانتخابات على اساس اصلاحات يراعى فيها وضع المرأة في شكل خاص، فان اجراء الانتخابات بات في نهاية الامر وفقا للقانون القديم افضل من عدم حصولها، بحيث يكون الخيار دوما بين السيئ والاسوأ. والاسوأ كان تأجيل الانتخابات وعدم احترام مواعيدها بذريعة اجراء اصلاحات بحيث تبدو صورة الدولة هشة الى حد بعيد ما دام الجدل يستمر اشهرا قبل كل الاستحقاق، حول القدرة على اجرائه في موعده او ضرورة تأجيله. وقد ساهم اقبال المواطنين على العملية الانتخابية من دون اي حوادث تذكر في تسليط الضوء على امرين، احدهما ان النظام الديموقراطي يجب ان يبقى حيا في ابسط قواعده واصوله على الاقل. والآخر ان حسابات السياسيين وخوفهم مما تحمله نتائج الانتخابات بالنسبة اليهم، فشلا او خسارة في مواقع عدة، هي غالبا التي تتحكم في منطق اجراء الانتخابات او عدمها. فبدا كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تكرارا على اجراء الانتخابات لكونها نقطة ايجابية له في عهده بعد الانتخابات النيابية في حزيران الماضي من باب الانجازات التي ينوي تسجيلها لمصلحته، نظراً الى الجدل الذي سبق حول حصول الانتخابات او عدمها.
الى ذلك، عكست الانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت في مرحلتها الاولى في جبل لبنان جملة امور، لعلّ أبرزها هو خلط للاوراق السياسية بين الاحزاب والتيارات المتناقضة والمتخاصمة، بحيث يتم التساؤل عما اذا كان ذلك سيسمح في مرحلة لاحقة باعادة تأكيد التحزبات الضيقة ام انه سيساهم في فرز تحالفات جديدة في المدة الفاصلة عن الانتخابات النيابية سنة 2013. فالعائلات خرجت على الاحزاب السياسية او تفلتت منها وفرضت قواعدها على الاحزاب وليس العكس. فهل يعكس ذلك تراجع الاحزاب وعدم الاقتناع بخطها السياسي المعتمد او زيادة قوتها، او ان للوضع المناطقي الضيق اعتباراته؟ لكن الواضح ان الصراع لم يقم على اساس تيارين منفصلين بغض النظر عمن يتضمنه كل منهما ومن انضم او لم ينضم اليه.
وفي المرحلة الماضية نعى كثيرون قوى 14 آذار و8 آذار، على اساس ان هذه التحالفات شهدت فكفكة واقعية لها على رغم استمرارها من هنا وهناك بنسبة معينة وجزم البعض بانتهائها، وان تكن لا تزال تغطيها ورقة تين تمنع سقوطها كليا لاعتبارات متعددة. وقوى 8 آذار لا تقل عن قوى 14 آذار في هذا الاطار، ولو ان التركيز يستمر على هذه الاخيرة وحدها او ان "حزب الله" يستفيد او يحقق نقاطا في الغالب حيث يرتكب الآخرون اخطاء. وليس واضحا ما اذا كانت اي قضية كبيرة يمكن ان تعيد الاصطفافات الى حدتها السابقة، أم ان غياب القضايا سيسمح بتذويب التحالفات القائمة من ضمنها. هذا رهن بطبيعة القضايا، لكن ما اوضحته الانتخابات البلدية هو ضرورة اعادة النظر في التحالفات السياسية اذا شاء البعض المحافظة على وجوده السياسي قويا بعض الشيء. وهذا عامل جديد ينظر اليه على قاعدة كيف سيكون ميزان القوى السياسي اولا والمسيحي ثانياً، والذي يمكن ان تبدأ الحسابات السياسية المقبلة على أساسه ليس استعدادا للانتخابات النيابية المقبلة فحسب، بل في ميزان حسابات المعارك السياسية الداخلية ايضا. وليس خافيا ان ثمة متابعة دقيقة من كل القوى داخليا وخارجيا لتطور وضع "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" وسائر القوى في المقابل، باعتبار ان لاي جديد في هذا الاطار دلالاته من حيث غياب لاعب اساسي مسيحي رئيسي لمصلحة توزع الساحة اكثر فاكثر على لاعبين مسيحيين متعددين متساوي القوة، من ضمنهم مؤيّدون لرئيس الجمهورية في ما يشكل بداية لافتة لترجمة دعم شعبي قابل للتطور عشية الذكرى الثانية لانتخابه للرئاسة الاولى في 25 ايار الحالي.