#adsense

درءاً للهذيان المسيحي

حجم الخط

كتب ساطع نور الدين في "السفير": لا مفر من وضع خلاصات سياسية للجولة الاولى، والاخيرة، من الانتخابات البلدية في جبل لبنان، برغم الطابع العائلي الذي اكتسبته، والذي كان بمثابة تمويه جرت تحته عملية قياس دقيقة لشعبية تيارات واحزاب وقوى مسيحية فاعلة، خاضت المعركة حيث فرضت، وتفادتها حيث لزم الامر، وهي تجري أو يفترض ان تجري اعتبارا من اليوم مراجعة لموقعها في تلك البيئة المضطربة والمنقسمة على نفسها أكثر من أي بيئة طائفية اخرى في الجمهورية الحزينة.

أولى الخلاصات وأهمها، بل ربما أكثرها دقة، هي ان التيار الوطني الحر برئاسة الجنرال ميشال عون يسير في خط تراجعي ثابت، ويفقد يوماً بعد يوم غالبية الـ75 بالمئة من الجمهور المسيحي التي كان يتمتع بها قبل خمس سنوات فقط، وكانت بمثابة تتويج لمسيرة سياسية شاقة بدأت في نهاية الثمانينيات، وكاد يتحول خلالها الى حزب مسيحي رائد والى تيار وطني جامع، يمثل بتكوينه وشعاراته وبرامجه خروجا فعليا من الحرب الاهلية التي نشأ على أطلالها وانتشر على نقيضها، قبل ان يعود ليتورط في بعض معاركها الاخيرة.

الحسابات أو التقديرات الاولية لنتائج الانتخابات البلدية تفيد بأن التيار العوني سجل انخفاضا إضافيا في شعبيته التي نالها سجله في الانتخابات النيابية الاخيرة، والتي كانت أدنى من توقعاته وطموحاته نتيجة افتراقه عن الجمهور المسيحي المتململ من تحالفات وخطابات عونية تتعارض مع مزاجه التقليدي، وغير الراغب في مواجهة مفتوحة مع حلفائه التاريخيين في البيئة المسلمة الذين وقع معهم في الماضي البعيد الميثاق والصيغة، بصفتهما مخرجاً من الحروب الاهلية التي لا تنتهي أبدا، ووعداً لم يتحقق يوماً، ببناء دولة قوية لم تر النور أبدا.. وأي تقدير آخر لما جناه التيار على نفسه وعلى جمهوره، هو تضليل وهروب الى الأمام لن يرجئ النهاية البائسة التي يترقبها كثيرون بدرجات متفاوتة من الحرص على ذلك التكتل غير المنتظم وغير الواعد، وعلى تلك البيئة المسيحية التي استولدته من رحم الحرب الاهلية، ودفعته في بعض المراحل الى مرتبة متقدمة بالمقارنة مع بقية الاحزاب والتنظيمات السياسية.

النتائج المتواضعة هي برهان جديد على أن العماد والتيار أضاعا فرصة تاريخية عندما فشلا في استثمار العودة المظفرة من باريس في العام 2005، وفي توظيفها لمصلحة مشروع وطني عام يستوعب الكثير من القوى المسيحية بل والاسلامية التي كانت تائهة في ذلك الحين، ويتولى تنظيمها وتوجيهها نحو وراثة هادئة وعاقلة للحقبة السورية، ويقودها تاليا نحو دمشق التي كانت مستعدة في حينه أكثر مما هي اليوم لعلاقات طبيعية متوازنة بين البلدين وبين الشعبين.

لكن هوس السلطة والثأر جنح بالعماد والتيار نحو تفاهمات وتحالفات سياسية تناقض الطبيعة المسيحية، وتنادي بصراعات مفتوحة لا تتلاءم مع رغبة الجمهور المسيحي، الذي لم يكن يريد أن يقع ضحية الأزمة الكبرى بين الغالبيتين الإسلاميتين اللتين تتربصان بعضهما ببعض، وتستعدان للتضحية بحلفائهما المسيحيين عند أول مفترق.

ربما آن الأوان لعون وتياره أن يجريا تلك المراجعة العميقة لتجربة السنوات الخمس الماضية، حتى ولو اقتضت الابتعاد قليلا عن «خيار المقاومة» الذي لا يرى فيه الجمهور المسيحي سوى بديل للدولة والجيش وقوى الامن يتخطى طاقة البلد وقدرته على الاحتمال، والامتناع قليلا عن العمل على خط دمشق.. لكي لا يندفع المسيحيون مرة اخرى نحو تطرف مضاد، وهذيان جديد يمكن أن يكون مدمراً للبلد كله في الجولتين المقبلتين من الانتخابات النيابية والرئاسية!

المصدر:
السفير

خبر عاجل