Site icon Lebanese Forces Official Website

هل تفتح معركة جبيل الباب أمام زعامة مسيحية جديدة؟

كتبت مادونا سمعان في السفير: انتهت معركة جبيل البلدية، أمس الأول، على واقع يرسم هزيمة العماد ميشال عون في قضاء «محسوب عليه». في المدينة التي قيل عنها «أم المعارك»، والتي خاضها الجنرال بالنزول إلى ساحتها بالفعل والقول، لم يخرق مقاعد مجلسها البلدي الثمانية عشرة ولو بمقعد واحد.

الصفر لاحق «التيار» أينما قرّر المنافسة بلوائح «عونية» غير متحالفة مع أي من الجهات. ولعلّه لم يجد لنفسه أي «ديفريسوار» للفوز سوى عبر اللوائح الائتلافية التي خاضها كما حصل في الفيدار وعمشيت… حتى بدت «نافرة» حاجة مرشحيه لرافعات من الأحزاب والتيارات الأخرى.

هل هو تراجع لشعبية «التيار» كما يروّج منذ الانتخابات النيابية الماضية؟ أم خطأ في «التكتيك» السياسي؟ أم إنها خصوصية الانتخابات البلدية؟ أم إنها معركة تتخطى أهدافها الانتخابية الضيّقة إلى صياغة حالة سياسية جديدة؟ وإذا كانت كذلك فمن يحيك هذا الوضع الجديد وبأي رجالات سياسية وضمن أية تحالفات؟
في جميع الأحوال كان نوع من الانتحار خوض المعركة البلدية بلوائح عونية بحتة، يقول مصدر متابع للمعركة، «ذلك أن الحزب الاشتراكي في الشوف لم يخض مثل تلك الانتخابات من دون تحالفات».

لكنّ قيادات «التيار» ارتأت خوض المعارك منفردة بعد أن نقلت وجهة نظرها من أرض الواقع إلى الرابية. هذا على الرغم من اختلاف بعضها مع قواعدها وتفضيل تلك الأخيرة خوضها متحالفة مع أحد الأطراف.

غير أن «الانقسام» العوني الذي ذكّاه تعالٍ وثقة زائدة بالنفس لدى تلك الكوادر أو القواعد، جعل من هؤلاء غير مدركين لواقع الأرض أو لحجم الخصم الفعلي. وقد قادوا معاركهم بالنظر إلى رؤيتهم لقوّتهم من جهة، وبعد أن حلّوا مشاكل داخلية بين محازبيهم المتنافسين على المقاعد نفسها من جهة ثانية، حتى يكاد يصحّ فيهم ما قاله المتنبّي «نامت نواطير مصر عن ثعالبها». فبينما كان الآخرون يخططون لكسب الأصوات غير المحسومة بالنسبة لهم، تلهى العونيون بعملية إرضاء هذا والوقوف عند رأي ذاك على الرغم من أن فترة الاستعداد لم تتخطّ الأسبوعين. وهذا ما يبرهن تشكيل اللوائح المتأخر إلى ما قبل المعركة بيومين.

إلى ذلك يضاف خطأ عون في التصريح في إحدى مقابلاته التلفزيونية عن وجود محازبين له ومناصرين مشيراً إليهم بـ«التيار» و«العونيين». ما أعطى للمناصرين هامشاً من التصرّف باللوائح وجعلهم غير معنيين بالالتزام الكامل تجاه المرشحين العونيين. ما يرى فيه كوادر من التيار حاجة وضرورة ملحة لإعادة ترتيب البيت العوني.

ولعلّ بعض التفاصيل التقنية تبرهن تلك الضرورة، إذ قابلت اجتماعات القوات اللبنانية بمناصريها في القرى والتي لم تتخطّ النصف ساعة، اجتماعات مطوّلة ومكررة لدى التيار للتوافق على اسم مرشح واحد من لائحة تضمّ تسعة أعضاء. ذاك لأن التعلمية القواتية تأتي عبر قنوات محددة ومعروفة وموثوقة. في حين أن كافة المسائل العونية لا تجد لها حلّا الا اذا صبّت في الرابية.

وإذا كانت بلدات وقرى جبيل تفصيلاً بالمقارنة مع المعركة – الأم في المدينة فإن التدقيق بنتائج جبيل يحمل إلى أكثر من استفسار وتبيان أكثر من حقيقة.

حقيقة أولى أن أصوات معظم المسلمين الجبيليين، من شيعة وسنة، صبّت للائحة «جبيل أحلى» برئاسة زياد الحوّاط المحسوبة على رئيس الجمهورية ميشال سليمان. وقد طرحت هذه الحقيقة أسئلة حول استرخاء العونيين لواقع انسحاب ما جرى في الانتخابات النيابية على الانتخابات البلدية، فيما كان الحواط يعمل ليلاً ونهاراً على كسب كل صوت من هذه الأصوات. وما أن أقفلت صناديق الاقتراع حتى راحت الألسن العونية تلهج بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري نجح في ردّ هزيمة جزين النيابية لميشال عون في عقر داره جبيل. اذا كان ذلك ليس صحيحاً فإن السؤال الذي يقلق «التيار» هو سبب توجه الشيعة إلى تلك اللائحة على الرغم من أن تحالف الوزير الأسبق جان – لوي قرداحي و«التيار الوطني الحرّ» ضمّ شيعياً؟ وهل يطرح هذا علامة استفهام حول علاقة شيعة جبيل بـ«حزب الله» ومدى جاذبية «كاريزما» بري في مساحة مشتركة كهذه، خاصة أن «أمل» تفلتت في جبيل في بلدات عدة من الاتفاقات المعقودة بينها وبين «حزب الله»، وهو أمر أحدث مناخاً من انعدام الثقة بين الجانبين.

الحقيقة الثانية أن نتائج الأقلام برهنت عن تصويت الأرمن بكثافة للائحة حوّاط علماً أنه لم يسم أرمنياً على لائحته على عكس اللائحة المنافسة… وجاء هذا العنصر مضافاً الى تصويت «الطاشناق» للوائح المدعومة من ميشال المر بوجه «التيار» في بعض ساحل المتن، ليطرح أيضا علامات استفهام معطوفة على بداية أزمة ثقة بين الجانبين.

الحقيقة الثالثة، عدم التزام الكتائب بلائحة القرداحي – التيار على الرغم من جذور الأول الكتائبية. ولعلّ هذا ما يبرهن ابتهاج الكتائبيين والقواتيين عبر مواكب سيّارة فور إعلان فوز حواط.

يُضاف إلى تلك الحقائق مناصفة أصوات الموارنة في المدينة بين اللائحتين. من دون أن تلعب مناصفتهم أي دور في حسم المعركة.

وإذا صحّت الاعتقادات بأن الأرمن – الطاشناق وشيعة «أمل» هم الذين صوتوا ضدّ عون ومع اللائحة المحسوبة على الرئيس ميشال سليمان، فإن ذلك يطرح علامات استفهام لها علاقة بمجمل الدور المسيحي والبدائل العونية، وهل يمكن لخطوة كهذه أن تفاجئ ميشال عون، وتجعله مخطئاً في تقدير علاقة حلفائه مع الأقطاب الآخرين في الساحة المسيحية؟

في جميع الأحوال انطلقت معركة جبيل من أرضية غير متكافئة، ذاك لأن حواط أعدّ العدة منذ أشهر. فكان له الوقت المديد لتشكيل لائحته والتفاوض مع العائلات. وهو لم يبخل في حملته الانتخابية، التي كانت أشبه بحملة لتكتل نيابي. إن لناحية الصور والاتصالات الهاتفية المسجلة إلى كل بيت وهاتف جبيلي.

وبمعزل عن إبعاد رئيس الجمهورية نفسه، فإن لائحة «جبيل أحلى» استفادت من حضور كبار موظفي الدولة الجبيليين لتشجيع اللائحة. كما في الضغط على جوزف الشامي وجينو كلاب رئيسي البلدية السابقين لعدم محاربة زياد الحوّاط، والبرهان زيارتهما إلى بعبدا».

في المقابل، في حال استفاد حوّاط من علاقة العائلة مع سليمان، فإن الأخير لم يكن ليربح المعركة بوجوه غير معروفة. وإن آل الحواط شكلوا رافعة له، سيما وأن جان حوّاط، عمّ الفائز كان الرقم إثنين بعد ريمون إده في القضاء الكتلوي. وأن قسماً من الكتلويين لم يتخلوا عنه حتى بعد طرد إده له على أثر إصراره خوض الانتخابات النيابية في العام 1996. وأن للعائلة باعاً طويلاً في رفض الممارسات الميليشياوية أيام الحرب الأهلية وبعدها. ما جعل عونيين مقربين من قياديين عونيين يصوتون لحواط «بكل ضمير مرتاح» على ما يقول أحدهم، بعـدما شـعروا أن تحالف القرداحي مع القاعدة الكتائبية يشكل نوعاً من الخيانة للأرث الكتلوي في المدينة الذي شكل رافعة تاريخية لميشال عون.

يبقى السؤال، هل بدأت تتشكّل زعامة مسيحية جديدة؟ ومن يستفيد من تحوّل سليمان من رئيس إلى رئيس – زعيم ومن سيتأثر سلباً وما هو الرابط بين ما جرى في جبيل وما جرى في المتن وفي دير القمر؟

في الختام معركة جبيل، أمس، تنفتح على معركة أخرى هي «رئاسة اتحاد بلديات جبيل» ويبدو أن حوّاط من أبرز المتداول باسمهم، أو أنه على الأقل بدأ يثير الريبة والشكّ لدى رئيس بلدية أخرى عينه على الاتحاد، فكان يسأل أكثر من مرة عن حظوظ لائحة «جبيل أحلى» بالفوز.

Exit mobile version