يمكن الجزم بأن العبرة الأولى الممكن استخلاصها من المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية، هي بكل بساطة… التخلُّف. وهو تخلّف مثلّث: على مستوى الأُطر القانونية، وعلى مستوى «الطبقة السياسية البلدية»، وعلى مستوى الناس. وهو الوضع الذي جعل مثلاً، في استطلاع أوّلي قد يكون غير دقيق، أن رئيسي بلديتين فقط، من أصل 257 بلدية خيضت فيها مواجهات أول من أمس، سقطا في الانتخابات، فيما الآخرون جميعهم فازوا، إمّا بالرئاسة مجدداً، وإمّا بالعضوية.
هذا الواقع، في ظرف عادي، يفترض أن يكون مؤشراً إلى ازدهار بلدي كبير، وإنماء في المصالح المحلية لكل بلدات جبل لبنان ومدنه. أما في حالنا الراهنة، فهو دليل على تحوّل «الحكم المحلي» نوعاً من استابليشمانت لا يمكن كسره، وذلك بفضل القانون والواقع والممارسة. يكفي عرض سلسلة المنافع التي يوفرها الحكم المحلي في بلدة معيّنة، لفهم صعوبة مواجهته: من الموظفين الإداريين، إلى الشرطة البلدية، وصولاً إلى التلزيمات المختلفة والإنفاق التشغيلي والاستثماري، انتهاءً بشبكة التنفيعات الريعية المرتبطة بالبلدية، من موزّع اللواقط التلفزيونية ومولّدات الكهرباء واللوحات الإعلانية على الطرقات ومواقف السيارات… لتتوّج هذه السلسلة بالمساعدات المالية المباشرة التي يجيزها القانون بلا رقابة ولا محاسبة… كل ذلك يؤدي إلى جعل «البلدية» سلطة دويلتيّة، لا يمكن مسّها إلا عبر سلطة الدولة المركزية المباشرة، التي تتبادل معها الخدمات، عبر نظام الزبائنيّة اللبنانية العريقة.
هذا في القانون. أما التخلّف على صعيد الطبقة السياسية البلدية كما على مستوى الناس، فيظلّ أفضل تعبير عنه هذا المشهد المناقض لتاريخ سنة 2010 ميلادية، في أن نرى زعيماً راكباً على أعناق مواطنين، وأن نرى مواطنين يركِّبون زعيماً على أعناقهم… هذا لجهة التعبير الفاضح، فيما ثمّة مؤشر آخر إلى هذين التخلّفين، هو أكثر دلالة بنيوية وخطورة ديموقراطية، هو مؤشر «التزكية»، إنْ لجهة السعي الدائم إليها، وتمجيدها وإسباغ الصفات الحميدة وحتى الأخلاقية إنسانياً ودينياً ووطنياً عليها، فيما الثابت عالمياً وعلمياً أن هناك علاقة جدلية معكوسة بين نسبة التزكية الانتخابية في أي مجتمع ونسبة ثقافته الديموقراطية السويّة السليمة والصحيحة. كلما ارتفعت الأولى انخفضت الثانية، والعكس صحيح.
يبقى المؤشر العام بشأن «بنية العقل» في مجتمعنا، وهو المؤشر الذي لا يُستدلّ عليه إلا من نسبة مشاركة المرأة في هذا الاستحقاق الانتخابي. فأن تكون هذه النسبة نحو 5.6 في المئة فقط، في مجتمع نسبة المرأة فيه تفوق النصف، أمر مقلق، لا بل منذرٌ بأسوأ أنواع التخلّف.
ليست المسألة طبعاً عصبية «جندرية» على طريقة العالم الثالث، ولا اصطناع حداثة ومعاصرة كما تنشط تلك «الكمية المتجاهلة» من الجمعيات والحركات، بل هي درس من عبر الانتربولوجيا ومحرّكات التقدم في التاريخ البشري. فالثابت في تطوّر التكوّن الإنساني مصدره المرأة، إمّا فعلاً، وإمّا إلهاماً، وإمّا حثّاً وحضّاً ودفعاً وتحريضاً. ليست مصادفة أن تكون المرأة رمز كل القيم في الميثولوجيات الإنسانية الفاعلة والحية في تاريخنا. وليست مصادفة أن تكون كل الديانات قد ولدت في «رحم» المرأة، فكرةً، قبل أن تكونها واقعاً بيولوجياً. وليست مصادفة أن تستأثر المرأة بمساحة «الجماليا» البشرية منذ كانت هي وكانت هذه وكانت الجماليات، شكلاً قبْلياً (apriori) للحسّ والإحساس الإنسانيين…
كل هذه معدومة عندنا. منحورة ومنتحرة، في ممارسة تبدأ بالذكورية، لتمرّ بدوامة الفساد والإفساد، ولتنتهي في دِرك السلطوية العقيمة التي نعيش، وترتع فيها بنية الحكم المحلي في لبنان.
قد يكون ما سبق هو العبرة الأهم من انتخابات جبل لبنان البلدية والاختيارية. وقد تكون العبرة المرشحة للتكريس والتعميق والتأكيد والترسيخ في الجولات الأحادية التالية.
أما من خلاصات أخرى في السياسة؟ بلى، وقد تكون كثيرة. منها خروج الأصولية السنّية على إجماع «الاعتدال الحريري» في إقليم الخروب، ومنها التأثير الجنبلاطي على حلفائه المسيحيين، أيّاً كان هؤلاء، ومنها التأكيد أن «تفاهم مار مخايل» «قطع» عند الناس في حدت بعبدا، ومنها أن جبيل عادت نصف قرن إلى الوراء، لتكرر خطأ «الشهابية» في مواجهة «العميد»…
كثيرة هي العِبر، لكنّ التخلُّف يتقدم عليها كلها، ويتركها بعيدة خلفه…