#adsense

بعد أن أثبتت صناديق الاقتراع فشل حملات “العزل” وطبيعة الاستشعار الجماعي لمصدر الخطر… سر تمسّك مسيحيي 14 آذار بالمناصفة

حجم الخط

كتب وسام سعادة في "المستقبل": تزّودنا الجولة الأولى من الإنتخابات البلديّة بعناصر جديدة لتقويم حال المسيحيين بعد ما يقارب العقدين على إنتهاء الحرب الأهليّة. ليس فقط لأنّ شعبيّة العماد ميشال عون قد فقدت الرجحان الأكثريّ على ما يبدو. وليس فقط لأنّ "القوّات اللبنانيّة" واصلت صعودها المنظّم، في إطار رحب من التعدّدية السياسيّة في الجناح المسيحيّ من الحركة الإستقلاليّة.

الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ المسيحيين أظهروا، وبشكل ما عاد يخفى على أحد، استشعارهم الجماعيّ، وفي العمق، للإتجاه الذي يأتيهم منه الخطر.

صحيح أنّهم لم يحسموا بعد أزمة مرجعيّتهم القياديّة – وهي أزمة مزمنة منذ أيلول 1982 وإلى اليوم، كما لم تتبلور لديهم نظرة برنامجيّة شاملة لشكل التعامل مع هذا الخطر. مع ذلك، فإنّ تكريس حالة الإستشعار الجماعيّ بمصدر هذا الخطر أمر لا يجوز الإستهانة به أبداً. وبهذا المعنى يمكن القول أنّه، لئن كانت الساحة المسيحيّة قد "حيّدت" عن التداعيات المباشرة ليوم 7 أيّار، إلا أنّ هذا اليوم حفرَ عميقاً، في الوعيين الطائفيّ والوطنيّ لمسيحيّي لبنان.

فمقولة "تحالف الأقليّات" كما طرحت منذ شباط 2006 لم تصمد لوقت طويل. صحيحٌ أنّ جمهور المسيحيين يطرح أكثر من سؤال حول العلاقة بين "المناصفة من حيث الشكل" وبين "المناصفة من حيث المضمون"، إلا أنّ لا نيّة لديه للتضحيّة بـ"المناصفة من حيث الشكل" من أجل "تحالف للأقليّات" شكلانيّ للغاية، ما دام "السلاح" محتكراً فيه من جانب طرف واحد، ومكرّساً للامساواة داخل "تحالف الأقليّات" نفسه، على إفتراض أنّ هذا التحالف ممكن.

لم تنته كليّاً مشكلة المسيحيين المزمنة مع "إتفاق الطائف"، إلا أنّ ما انتهى عمليّاً هو وكالة العماد ميشال عون عنهم للتعبير عن مشكلتهم مع "إتفاق الطائف". وفي المقابل، ما زالت "القوّات اللبنانيّة" رغم صعودها المنظّم في السنوات الخمس الأخيرة تدفع ثمن إنخراطها في تسوية "الطائف"، بل وتصرّ على هذه التسوية بشكل قاطع، إلا أنّ الجمهور المسيحيّ أدرك في السنتين الأخيرتين أنّ تناقضه مع "إتفاق الطائف" هو تناقض ثانويّ، في حين أنّ التناقض الأساسيّ هو مع "واقع السلاح"، وأنّ إيجاد النظام السياسيّ الأمثل للبنان رهن بحلّ التناقض الأساسي مع "واقع السلاح"، ولا إمكان لحلّ هذا التناقض إلا بإبداع نموذج حيّ وديموقراطيّ لـ"المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة"، وهو النموذج الذي شكّلت الحركة الإستقلاليّة مختبراً أوّلاً له.

ماذا يمكنه أن يعني كل ذلك لـ"قوى 8 آذار" عموماً، ولـ"حزب الله" خصوصاً؟ يفترض بهم أن يعوا أولاً أن التناقض الأساسي ليس بينهم وبين "القوّات اللبنانيّة"، وإنّما بينهم وبين إستشعار جماعيّ بمصدر الخوف في البيئة المسيحيّة. يفترض بهم أن يعوا ثانياً أنّ "القوّات اللبنانيّة" ومسيحيي 14 آذار يشكّلون التعبير "العقلانيّ" لهذا الإستشعار الجماعيّ المسيحيّ بمصدر الخوف، أي التعبير الذي يترجم نفسه من خلال مضيّه في مسيرة بناء عقد "المناصفة الإسلاميّة المسيحيّة".

يفترض إذاً، بأن تكون الإنتخابات البلديّة مناسبة للكلام عن التناقض بين البيئة المسيحية والبيئة التي يقودها "حزب الله"، بشكل واضح ومنهجيّ ولا غرائزيّ، بل بشكل يمكنه أن يفضي إلى الحوار المباشر بين البيئتين المعنيتين، ما يتطلّب بالدرجة الأولى العدول، وبشكل نهائيّ عن حملات "عزل القوّات اللبنانيّة" و"تحذير المسيحيين جملة"، وإحترام مرجعياتهم الدينية، وفي طليعتها مرجعيّة البطريرك الماروني نصر الله صفير.

هكذا حوار مباشر يمكنه أن يريح المجتمع والسياسة اللبنانيين إلى حد كبير، ويمكنه أن يعطي طاقات دفع ذاتية غير مسبوقة لإستراتيجية "حماية لبنان".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل