حرصاً على احترام مواعيد الاستحقاقات ومنعاً لحصول الفراغ
مطلوب إقرار الإصلاحات وسد ثغر في الدستور
أهم ما في الانتخابات البلدية والاختيارية ليس نتائجها فحسب، بل اجراؤها في موعدها وافشال محاولات تأجيلها بحجة إدخال تعديلات اصلاحية على قانونها، فكان احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية وتقديمها على أي أمر آخر، وهو ما جعل الرئيس ميشال سليمان يقول في تصريح له: "يجب أن يتعود المواطن والسياسي على أن الاستحقاقات الدستورية لا تمس مواعيدها، فمن يؤخرها أسبوعا يؤخرها أسبوعين ومن يؤخرها اسبوعين يؤخرها سنة وسنتين". ولفت الى أن مشروع الاصلاحات "لا يزال على الطاولة وقانون الاصلاح سيبصر النور كما هو أو مع تعديلات، وسيليه اصلاح مماثل في قانون الانتخابات النيابية".
والتشديد على احترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية من أجل تداول السلطة تطبيقا للنظام الديموقراطي هدفه التذكير بالفراغ الرئاسي الذي تسبب به النواب والسياسيون بلجوئهم الى مقاطعة جلسات انتخاب رئيس الجمهورية للحؤول دون اكتمال النصاب بحضور ثلثي عدد النواب الذي يتألف منه المجلس، معتبرين ذلك عملا ديموقراطيا، وهو يحصل للمرة الاولى في حياة لبنان السياسية لأن الاقلية النيابية التي في استطاعتها تعطيل النصاب بتغيبها عن الجلسات المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، أرادت الحؤول دون انتخاب الاكثرية رئيسا للجمهورية من صفوفها، لا بل ذهبت الى أبعد من ذلك فربطت انتخاب رئيس الجمهورية حتى بعد التوافق عليه، وهو العماد ميشال سليمان، بتشكيل حكومة وحدة وطنية لا يكون للأقلية فيها قدرة التعطيل ولا للأكثرية قدرة التقرير. وقد أدى ذلك الى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية برغم التوافق عليه مدة ستة أشهر، مع أن النواب في كل المجالس النيابية المتعاقبة لم يلجأوا مرة الى تعطيل نصاب الجلسات المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية بل كانوا يحضرون ويقترعون لمن يشاؤون او يلقي بعضهم أوراقا بيضا في صندوق الاقتراع، ولم يتخلفوا عن قيامهم بهذا الواجب حتى في ظروف الحرب وتحت القصف المدفعي.
لذلك، فان هذه الثغرة في الدستور ينبغي سدها للحؤول مستقبلا دون تعريض أعلى مركز في الدولة للفراغ بسبب التجاذبات السياسية والحزبية والشخصية والمذهبية او بسبب تدخلات خارجية تتخذ من هذا الاستحقاق الدستوري المهم ورقة ضغط وابتزاز تحقيقا لمصالحها او لبلوغ أهداف وغايات، كما حصل في السنوات الاخيرة.
وسد هذه الثغرة يكون بجعل حضور النواب جلسات الانتخابات الرئاسية ملزما إلا بعذر مشروع، أو جعل اللعبة الديموقراطية تمارس بما فيها محاولة تعطيل النصاب في دورتي الاقتراع الاولى والثانية فقط، أما في دورة الاقتراع الثالثة، فان حضور النواب يكون ملزما او يصير انتخاب رئيس الجمهورية بأكثرية نصف عدد النواب زائدا واحدا.
وهناك ثغرة أخرى في الدستور ينبغي سدها أيضا وتتعلق بتشكيل الحكومة، وذلك بتحديد مهلة زمنية لرئيس الحكومة الذي يكلف تشكيلها حتى اذا ما انقضت هذه المهلة ولم يتمكن من ذلك يجري رئيس الجمهورية استشارات نيابية جديدة لتسمية رئيس آخر لتشكيل الحكومة، اذ لا يجوز ان تبقى هذه المهلة مفتوحة والبلاد تواجه أزمة وزارية لا خروج منها، مع ما يلحق ذلك من ضرر بمصالح الوطن والمواطن.
وينبغي من جهة أخرى، الاتفاق على آلية داخلية تعتمد في حال تعذر الاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على تشكيل الحكومة وذلك بأن تعرض التشكيلة المثيرة للخلاف على مجلس النواب لحسمه إما بتأييد هذه التشكيلة او رفضها.
واذا كانت نتائج الانتخابات البلدية جاءت مخالفة في بعض المدن والبلدات في جبل لبنان لنتائج الانتخابات النيابية لأن العائلات تنظر الى الموضوع البلدي خلافا لنظرتها الى الموضوع النيابي، فان هذا يتطلب اعتماد القاعدة النسبية في الانتخابات النيابية مع الاسم التفضيلي كي يتحقق التمثيل السياسي الصحيح لشتى فئات الشعب، او اعتماد الدائرة الفردية او المصغرة كما يطالب البعض في غياب الاحزاب الوطنية، اذ إنه ثبت من نتائج الانتخابات البلدية أن نوابا مسيحيين فازوا بأصوات مسلمين ونوابا مسلمين فازوا بأصوات مسيحيين في الدوائر المختلطة.
ولكي يكون للانتخابات البلدية والاختيارية المقبلة قانون جديد يتضمن الاصلاحات المطلوبة، وقد تعذّر اقرارها قبل موعد اجرائها هذه المرة، فينبغي أن تباشر اللجان المختصة ومن ثم الهيئة العمومية لمجلس النواب درس هذه الاصلاحات وانجازها في وقت قريب، لا أن يبقى درسها معلقا حتى اللحظة الاخيرة من موعد اجراء الانتخابات كما حصل، فتواجه عندئذ الاختيار بين التأجيل او اعتماد القانون المعمول به لاجرائها في موعدها؟ وكذلك الامر بالنسبة الى قانون الانتخابات النيابية، الذي ينبغي مباشرة درسه منذ الآن كي يكون المرشحون والناخبون على بينة منه وعلى اطلاع كاف لحسن تطبيقه.
ولا بد من جهة أخرى البحث منذ الآن في سد الثغر الدستورية التي تعرّض الانتخابات الرئاسية لخطر التعطيل وتشكيل الحكومة لخطر مواجهة أزمات وزارية قد تتحول أزمة حكم، حتى اذا ما حان موعد انتخاب رئيس للجمهورية تكون نصوص الدستور واضحة بالنسبة الى هذا الانتخاب ولا مجال لتحويلها ورقة ضغط ومساومة وابتزاز سواء من الداخل أو من الخارج، ولا تشكيل الحكومات يعرض البلاد لأزمات لا خروج منها إلا بتدخل عربي او اقليمي او دولي، وهو ما يحصل حتى الآن، وأن اشراك اللبنانيين في الانتخابات النيابية حيث هم يحتاج الى اجراءات ينبغي البحث فيها منذ الآن كي يصير في الامكان الموافقة على خفض سن الاقتراع والغاء الطائفية السياسية.