أما وقد انسحب رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون من معركة الانتخابات البلدية في بيروت، فإنه كرر نفسه بحسب القاعدة التي اتبعها يوم انسحب مع الحليف (الطاشناق) من الانتخابات النيابية في العام 2000 مكتفيا بإعلان مقاطعته بعدما تعذر عليه سحب البساط من تحت اقدام من كانوا قد سجلوا عليه سلسلة قفزات سياسية نوعية، مع الاخذ في الاعتبار ان تصرف الناخب الارميني (الطاشناق) آنذاك قد ادى الى وصول الهانشاك اليساري لأول مرة الى مجلس النواب مدعوما من حزب الرمغفار!
القصة العونية، ليست مجرد اعتراف بأن التيار قد سجل على نفسه خطأ سياسيا مضاعفا، ظنا منه ان تحالفه مع حزب الله وحليف حليفه حركة «أمل» سيؤدي تلقائيا الى منع تشكيل لائحة توافقية في العاصمة على أساس وحدة بيروت. لكن عندما تبين لعون انه مطالب بسداد حسابات سياسية مختلفة لحركة «أمل» وجد ان من الأفضل له تجربة مدى انسجام حزب الله معه، الى ان تبين له ان ورقة بيروت غير ورقة جزين، بل غير ورقة انتخابات جبيل، الى الحد الذي جعله «يأكل الضرب» طوعا!
أما أولئك الذين سايروا التيار الوطني على أساس انه لا بد لعون من ان يستدرك خطأه، فقد وجدوه منساقا وراء لعبة أقل ما يقال فيها انها تدعو الى الشفقة، خصوصا بعد الضربة التي تلقاها في انتخابات بعض المناطق الحساسة في جبيل وكسروان والمتن الشمالي وبعبدا وعاليه والشوف، من غير ان تشفع به المتغيرات الدرزية جراء نقل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بارودته السياسية من كتف الى كتف!
وعندما يصل الأمر بالنائب عون الى حد انتقاد رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعد اتهامه بالعمل ضد مرشحيه في جبيل ومناطق أخرى، لا بد وانه يكون قد بلع طوعا منجل سوء تقديره للامور (…) بل لمتغيرات فرضتها طريقة تعاطي تكتل التغيير والاصلاح مع الاحداث السياسية المحلية والخارجية. وفي الحالين فإن عون وجد نفسه أمام خيار عزل نفسه جراء حدثين ملحين: الاول رفض الرئيس سعد الحريري مباحثته شخصيا في موضوع الحصص المسيحية في الانتخابات البلدية في بيروت، بعدما سبق لزعيم الاكثرية النيابية ان تصدى شخصيا ومباشرة لمحاولات عون تقسيم بيروت بذريعة غير مقنعة من بينها ان مدينة عريقة مثل باريس مقسمة الى أكثر من دائرة انتخابية، متناسيا اننا لسنا في «لبنان – فرنسا» وان لبنان هو لبنان بتقاسيمه السياسية والمذهبية والمناطقية، فضلا عن ان القرار السياسي في بلد مثل فرنسا تحديدا، محصور بأحزاب لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة وليس فيها «تصرفات جنرالية موهومة» قريبة من تأليه نفسها؟!
وفي كلام آخر على تنحي عون عن معركة الانتخابات البلدية في بيروت، ما بشرنا به نائبه عن دائرة بعبدا «الان عون» عندما قال ان عدم ارضاء رئيس تكتل التغيير والاصلاح سيؤدي تلقائيا الى انعكاسات سلبية على الوضع الحكومي. وهذا ليس مجرد تلويح بموقف تصعيدي محتمل، بل انه تهديد واضح المعالم، خصوصا ان «وزراء المعارضة سبق لهم ان انساقوا وراء كل ما يراه زملاؤهم في التيار الوطني. وليس من يستبعد اعادة نظر استفزازية مغايرة من هؤلاء في المستقبل المنظور عملا برأي وتصور عون والمقربين منه؟؟
وفي كلام آخر للمحسوبين على عون ان الرئيس سعد الحريري كان في وارد زيادة حصة مسيحيي المعارضة في الانتخابات البلدية في بيروت، لولا اصرار الحلفاء في قوى 14 آذار على ان عون سيصل الى حد مطالبته بحصة لحلفائه السنة كي يبعد عن نفسه تهمة الاهتمام بالفريق المسيحي. وقد أدت هذه السقطة من جانب عون الى افتضاح أمره من لحظة تكليف الوزير ميشال فرعون التباحث معه في الحصة المسيحية، الى ان ظهر في بعض محطات التعاطي بالواسطة مع الصديق الطاشناقي المشترك ان قبوله بمقعدين سيفضح هزاله الشعبي في بيروت قياسا على فشل مرشحيه في الانتخابات النيابية. لذا فقد أصر على ثلاثة مرشحين مسيحيين ومرشحين اثنين من الطائفة السنية كي يثبت للمعارضة انه لا يشتغل منفردا بقدر ما يهمه ان يكون الى جانب فريق عمل يتفاهم معه في السر والعلن (…).
أما وقد فشل مخطط عون من منطلق عدم تقبله التباحث مع غير الرئيس الحريري، فإنه وجد في اختصار عملية التفاهم معه على الوزير فرعون اهانة سياسية وشعبية لن يكون قادرا على ابتلاعها. لذا هرب من المعركة كي لا يصل الى حد قياس نفسه بحصة بلدية لا تقدم ولا تؤخر مفضلا الاستفزاز وتوزيع الاتهامات اعترافا منه بأنه سيكون على موعد آخر مع المخاتير (…) بل مع العمل الحكومي ككل؟!