يُقسم جبران بالاله دفاعا عن لبنان العظيم. يجلس سمير قصير وحيدا في حديقته.
اليوم عيدهما. أليسا شهداء الصحافة؟
هم كثر بالطبع. هناك غير جبران وغير سمير. لكنهما عنوان.
قد نقول "رويا بدمائهما أرض الوطن"، هو أسهل الكلام. لكنهما رويا أكثر، نبع الحزن الدفين فينا. نحن هناك في الاعماق الحزينة. نتحايل على الموضوع. نمارس الاعيبنا الصغيرة مع حالنا. نكذب تلك الاكاذيب البيضاء الملونة، لنهرب من الاحراج. من المواجهة. من إحراج المشاعر التي نمارس بحقها القمع، وتطالبنا بثورة أرز. ثورة كالتي صنعها أمثال جبران وسمير.
نحن احترفنا الهروب، الى الامام حينا الى الوراء أحيانا، لا يهم، هو الهروب من الذاكرة. من وخز الالم الذي يطفو عند هدوء اليوميات الصاخبة.
انتخابات، تحالفات، تشطيب، لوائح، واخبار… وكل ذلك لننسى. لكن من ينسى قَسَم جبران. كيف ننسى ذاك الوجه المشعّ تحت شمس اذار؟ وتحت شمس نوّار، شهر العذراء مريم، ماذا نقول لجبران وزملائه في الشهادة والقلم؟
نحن نقول اننا نكمل المشوار. أيضا هو أسهل الكلام. وأسهل الكلام هو الذي لا يقطع بحاجز القلب. لكن، ومن القلب وبوجع عتيق نقول لجبران، وسواه من شهداء القلم، يا ريتك هون. ليتك كنت أكثر حرصا. ليتك لم تسمع استفزازات السخفاء عندما عدت الى لبنان، وسمعت جيدا تهديدات القتلة.
ماذا نقول لجبران وسمير وسواهما؟
ننظر الى الصورة المبتسمة والقامة الحلوة واليد المرفوعة بالقسَم، ونصلّي. نراقب التمثال الراقد في البرونز وسط الحديقة، ونصلّي.
يا عذراء أخبرينا انهما بخير، وانهما سعيدين حيث هما، وان حيث هما، لا يستشهد الناس بسبب كلمة حق. وان لا رصاص فوق يخترق الاجساد ويمزقها اربا، بل وابل من زخات المحبة والسلام.
في عيد شهداء الصحافة، وأمام صورهم نحن نخجل. بيننا أكثر من يوضاس واحد. ومن تبقّىوا، ليسوا كافيين لحمل شعلة الحقيقة. يحاولون. يضعون كل ثقلهم. يهرعون خلف دم القلب لتكون الكلمة الصادقة، وغالبا تغلبهم الوقائع المرّة.
لن نقول لكم أسهل الكلام، بل أمرّه. لن نقول ان شهادتكم راحت ضيعان. مش صحيح. لولا تلك الشهادة لكان بُري القلم ومُنع حتى التعبير عن الالم. لكن يا جبران ويا سواه من الشهداء، تعبنا. ما تزعلوا. تعبنا. من الفرح المصطنع، ومن الضحك الذي يغلّف البكاء، ومن الوطن الاخضر وكلّه يباس، ومن الحرية التي، لا هي حرية ولا هي عبودية، انما سجن أكبر بقليل من متر عرض واخر طول، ولكنه سجن، بالكاد يتسّع لحبر اقلامنا ولدم اقلامكم، ولذكرياتنا الحلوة معكم ومع هيديك الحريي.
يا ريتكن هون…