#adsense

على عكس الانطباعات المغايرة… جعجع مرتاح

حجم الخط

يسود انطباع لدى خصوم سمير جعجع بأنه بات في حالة شديدة الصعوبة سياسياً، وأن حركته باتت خاضعة لنوع من الحصار، أو أنه مهدّد حتى بشكل من أشكال العزل. غير أن بعضاً من عارفيه ومن المراقبين لسلوكه يميلون إلى الاعتقاد المعاكس، ويعطون الكثير من الشرح والتفصيل. حتى إن قلّة من هؤلاء تؤكد أن جعجع هذه الأيام مرتاح.

فعلى الصعيد الدولي والخارجي أولاً، يقرأ هؤلاء أن «السجين المحكوم المدان السابق»، بات يحوز «عفواً» غربياً واضحاً وصريحاً. لا بل يكاد يمثّل، إلى جانب بكركي، «المحاور المسيحي الوحيد» للمجتمع الغربي، إن عبر ممثليّاته الدبلوماسية في بيروت، أو عبر حركة الزيارات ونشاط آلياته الاغترابية. وفي المقلب العربي، ليست تفصيلاً سلسلة الخروق التي حقّقها، من مصر والمغرب، إلى الإمارات وقطر، وطبعاً السعودية والأردن. وهي «علاقات عربية» تفوق بطبيعتها وحجمها واقع «الربط» المحدود الذي كان قائماً في زمن الحرب مع صدام حسين، فضلاً عن «تطبيع» فلسطيني، يتخطّى بأشواط «زكزكة» المقابلة التلفزيونية الشهيرة مع أبو عمار، سنة 1987.

صحيح أن مجمل تلك «الملفات الدبلوماسية» غير قابلة للاستثمار ولا للتثمير في ظل الموازين الحالية، لكن في السياسة، كل حركة تمثّل ورقة، ولكل ورقة أجل واستحقاق، تماماً مثل الأسواق المالية، ولو في زمن انهياراتها.

أما على الصعيد اللبناني، فوضعه ليس أقل ارتياحاً، رغم الانعطافات القاسية في حركة حلفائه. فمع وليد جنبلاط، لا يبدو مفاجأً بأي خطوة للأخير. فهو في ذروة اتحاده السياسي معه كان يدرك أنه «في بطنه وباطنه، يضمر سيّد المختارة عدم ودّ» لبيئة جعجع، لكن ما يهمّه الآن هو المزاج العام لبيئة جنبلاط، غير البعيدة عن تطلعات معراب، ونتائج بلديات الشوف، حيث يعتقد جعجع أن الجنبلاطيين أقاموا حيالها ألف حساب إسقاطي لاستحقاق 2013 النيابي.

مع الحريري، ثمّة علاقة «فهم وتفهّم متبادلين». لا يقطع جعجع مع رئيس الحكومة خيطاً قائماً، ولا يُصدم إذا ما فرضت الظروف على الأخير قطع بعضها. بعد زيارة دمشق، كان الحريري وفيّاً للتحالف السابق. حاول جسّ النبض السوري حيال صاحب مقولة «اعرف عدوّك» السابقة. قيل إن الجواب كان ملتبساً. على طريقة أن المحاولة يجب أن تكون مباشرة، وأن يقوم بها جعجع، لا حليفه، ولا أي وسيط آخر. وكان تقويم الإجابة مقبولاً. فهي لم توصد الباب، ولم تفتحه. بعدها جاء تلبّد الغيوم في سماء السرايا ـــــ قصر الشعب ليقدم إلى جعجع خدمة كبيرة، فبات الاستحقاق مؤجّلاً: لم يقترب الحريري لدرجة تفرض على سيّد معراب الخيار الآن، ولم يبتعد بطريقة تنذر بتحميل الأخير الأسباب والأثمان والمسؤوليات.

أصلاً قد لا يكون المطلوب من رئيس الحكومة في هذه المرحلة غير أمرين اثنين: أولاً إدارة «الأزمة اللبنانية ـــــ السورية» حتى لا تنفجر فجأة فيصير بعض الرؤوس مُحللاً للقَطْع. وثانياً ضمان استمرار سيل الإمكانيات اللازمة لعمل «حليفه النائم» على الساحة المسيحية، في انتظار ظرف أفضل. والظرف الأفضل لا يعني في هذا المجال الانقلاب حتماً على دمشق، لا بل على العكس، قد يكون انفتاحاً، لكن في سياق أكثر تظهيراً للأحجام، تماماً كما كان الأمر عشيّة اتفاق الطائف.

يبقى الصعيد المسيحي، وهو بحسب العارفين والمراقبين أنفسهم، المجال الأرحب لراحة جعجع واطمئنانه: بكركي باتت مربط خيله، لا عبر سيّدها وحسب، بل أيضاً عبر شبكة واسعة من العلائق. الباقون بالنسبة إليه، كلّهم دخلوا مرحلة التصفية الذاتية. حزب الوطنيين الأحرار انتهى فعلياً مع داني شمعون، حزب الكتائب قد لا يتخطى زلزال بيار، حزب الكتلة الوطنية يكفيه عميده الذي لم يفعل بعد دفنه عمه ما يذكر، إلا قبول ترشيح جعجع له عن دائرة كسروان، أو جبيل، كما اختلط عليه القول لحظة إعلان اللائحة… يبقى «التيار»؟ قد لا يراه جعجع إلا شجرة عتيقة وارفة، حجبت عنه الضوء طويلاً، لكنها لا بد أن تشهد خريفها، وما عليه هو إلا تعداد نزفها مع روزنامة الأيام…

في المقابل، يجهد هو ويدأب على صقل داخله. يكاد ينجز ما يجب. حتى مشكلته الوحيدة في هذا الداخل مع «نصفه الجميل»، يقول العارفون، إنه يراهن على حلّها مع النظام الداخلي الجديد لحزبه، حيث سيؤدي «الانضباط الحزبي» إلى تمهيد النتوءات الموروثة من البطولات الموهومة…

ماذا عن المشروع السياسي؟ لا لزوم لذلك الآن، إلا بمقدار ما يقتضيه واجب الاستهلاك الإعلامي، وضرورة التعبئة القواعدية.

«عبور الصحراء»، مفهوم يختلف على تقويمه المتقابلون من رملها الوسيع. البعض يراه مواتاً بطيئاً، البعض الآخر يراه عبوراً صوب الخصوبة… المهم ـــــ يقولون ـــــ إن جعجع مرتاح، فهل يطمئن الآخرون؟

المصدر:
الأخبار

خبر عاجل