ضمانات دولية وعربية لاستمرار عمل المحكمة
بِلمار "العنيد" بلغ نقطة اللاعودة إستعداداً لكشف الحقيقة
الدول العربية والأجنبية المعنية بمصير لبنان تملك فكرة عامة واضحة عن الجهة المتورطة في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه ولكن ليست لديها الرواية الكاملة المفصلة التي تجعلها تعرف تماماً، إستناداً الى الأدلة الدامغة الصلبة، الدوافع الحقيقية الى ارتكاب هذه الجريمة الإرهابية وهويات المشاركين فيها وإنتماءاتهم. وقد إتخذت هذه الدول ثلاثة قرارات أساسية للمساعدة في كشف الحقيقة هي:
أولاً: تقديم الدعم السياسي والديبلوماسي والمالي الكامل للإنتقال من مرحلة التحقيق الدولي في جريمة الحريري الى مرحلة محاسبة المتورطين فيها أمام محكمة خاصة أنشئت بقرار صادر عن مجلس الأمن.
ثانياً: رفض الدخول في مساومات مع أي جهة معنية بالأمر من أجل عقد صفقة ما معها تؤدي الى وقف مسار العدالة الدولية.
ثالثاً: تأمين حماية لعمل هذه المحكمة، التي تتمتع بشرعية لبنانية ودولية وعربية لا سابق لها، من منطلق أن الإفلات من العقاب هو ما يهدد الأمن والإستقرار في لبنان والمنطقة وليس تحقيق العدالة".
هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية أوروبية وعربية في باريس وثيقة الإطلاع على ملف المحكمة الخاصة بلبنان. وأكدت هذه المصادر أن مجموعة عوامل أساسية تضمن استمرار عمل هذه المحكمة الدولية الى النهاية وتؤمن لها الدعم الكامل المستمر الذي تحتاج اليه خلافاً لما يردده خصومها أو المتضررون منها، وهذه العوامل هي الآتية:
أولا: المحكمة نشأت بإرادة دولية ولن تتوقف بإرادة جهة معينة. فقد تبنى مجلس الأمن في أيار 2007، إستناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان. وهذا القرار ملزم لكل الدول وقد صدر على رغم معارضة المسؤولين السوريين وحلفائهم اللبنانيين الذين توقعوا إقدام الروس على استخدام حق الفيتو لمنع تبنيه، لكنهم لم يفعلوا ذلك بل دعموا إصدار هذا القرار. وهذه المرة الأولى في تاريخ الشرق الأوسط يتخذ مجلس الأمن قراراً بتشكيل محكمة دولية للنظر في جريمة إغتيال شخصية سياسية كبيرة وفي جرائم سياسية أخرى مرتبطة بها. ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي أوروبي مطلع: "إن تبني القرار 1757 ناتج من إقتناع مجموعة من الدول البارزة بضرورة اللجوء الى العدالة الدولية حين تعجز العدالة المحلية عن اداء واجباتها من أجل التصدي للأنظمة والجهات التي تستخدم الإغتيالات والعمليات الإرهابية في التعامل مع خصومها ليس فقط في لبنان بل أيضاً في المنطقة وخارجها. ولن تسمح هذه الدول البارزة بإلحاق الهزيمة بالمحكمة أو بعرقلة عملها لأن ذلك يضعف الأنظمة والقوى المعتدلة ويعزز نفوذ المتشددين في المنطقة العربية. فهذه القضية تتجاوز الساحة اللبنانية وحساباتها، إذ إن هزيمة المحكمة الدولية تعني هزيمة مجلس الأمن والمجتمع الدولي في تعاملهما مع الجرائم السياسية والإرهابية. ولذلك تتعامل هذه الدول مع المحكمة على أساس انها عملية قضائية مستقلة وليست ورقة للمساومة والمقايضة".
ثانياً: بان كي – مون، الأمين العام للأمم المتحدة، هو الذي إتخذ بالتشاور مع المدعي العام الدولي دانيال بلمار ومع عدد من الدول البارزة قراراً ببدء عمل المحكمة مطلع آذار 2009. ولو أن كي – مون اكتشف أن ملف بلمار خال من أي أدلة ومعلومات كافية لإطلاق عمل المحكمة ولمحاسبة المتورطين في جريمة الحريري لما كان وافق على بدء عمل المحكمة.
ثالثاً: لو أدرك دانيال بلمار ان ملف التحقيق في جريمة الحريري خال من الأدلة والمعلومات الكافية لإحالة المتورطين في هذه الجريمة على المحكمة، لكان أطلع مجلس الأمن على هذا الأمر لأنه مسؤول أمامه ولكان تخلى عن مهمته، لكن ما حدث هو العكس تماماً إذ إن بلمار هو الذي أكد لبان كي – مون أن الوقت حان لإطلاق عمل المحكمة في آذار 2009.
أركان المحكمة واثقون من كشف الحقيقة
رابعاً: المعلومات التي تملكها جهات أوروبية رسمية معنية مباشرة بهذه القضية تفيد أن التحقيق الدولي في جريمة الحريري وصل الى "نقطة اللاعودة" وان المرحلة الراهنة هي مرحلة "الإنجاز النهائي الدقيق" للقرار الإتهامي المتوقع أن يصدره بلمار قبل نهاية 2010. وهذا ما توضحه التصريحات والمواقف العلنية الصادرة في الفترة الأخيرة عن أركان المحكمة والتي تعكس حصول إختراقات مهمة وأساسية في عملية كشف الحقيقة. فرئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي أكد في مقابلة مع فضائية عربية الشهر الماضي انه واثق من أن "المحكمة ستكشف الحقيقة إستناداً الى أعلى معايير العدل". وأشار الى أن القرار الإتهامي سيصدر قبل نهاية 2010. وأوضح التقرير السنوي الأول للمحكمة المقدم الى مجلس الأمن مطلع آذار الماضي "أن الأدلة والمعلومات التي جمعت حتى الآن أتاحت لمكتب المدعي العام تطوير نظريته الخاصة" حول جريمة إغتيال الحريري ورفاقه. وهذه النظرية الخاصة حدد مضمونها الأساسي المدعي العام بلمار في تقريره الأخير الى مجلس الأمن وفي تصريحات علنية له جاء فيها أن لجنة التحقيق "تملك أدلة تؤكد إن دوافع إغتيال الحريري سياسية" وأن الذين اغتالوه "ينتمون الى شبكة منظمة ومحترفة". وبلمار نفسه ذهب الى حد القول في تقريره الأخير إن لجنة التحقيق "تملك أكثر من سبعة آلاف دليل جنائي تتعلق بجريمة الحريري". وفي الوقت ذاته حرص رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هيبل على الإدلاء بتصريحات عدة خلال زيارته للبنان، في وقت سابق من نيسان الماضي، شدد فيها على أن لجنة التحقيق الدولية "أحرزت تقدماً كبيراً" وأن "بلمار متفائل جداً بعمل المحكمة وانه سيعتمد على الأدلة الدامغة بشكل يمكنه من توجيه الإتهام" الى المتورطين في الجريمة. وأوضح ان "المحكمة جاهزة لتنفيذ مستلزمات أي قرار إتهامي يصدره بلمار". وكشف انه "تم إنجاز برنامج حماية الشهود"، الذين سيدلون بأقوالهم أمام المحكمة "كما تم توقيع إتفاقات مع دول عدة لإستضافة الشهود وتأمين الحماية لهم". ولو لم يحرز تقدم جوهري بارز بل حاسم في التحقيق الدولي لما اتخذت المحكمة هذه الإجراءات المتعلقة بالشهود ولما أدلى أركانها بهذه التصريحات المتفائلة.
خامساً: العامل الخامس الذي يشكل ضماناً لاستمرار عمل المحكمة ولنجاحها هو أسلوب المدعي العام بلمار ومنهجه وشخصيته. فبلمار، وفقاً لمصادر أوروبية مطلعة، يؤمن حماية كاملة لملف التحقيق إذ انه يحتفظ وحده "بالحقيقة المفصلة وبكل المعطيات المرتبطة بها وهو يرفض أن يطلع الأطراف المعنيين اللبنانيين وغيرهم على ما يملكه من أدلة وقرائن ومعلومات وشهادات تتعلق بجريمة الحريري وبجرائم أخرى مرتبطة بها". واعترف وزير لبناني سابق معني بهذه القضية بأن "الجانب اللبناني يملك عشرة في المئة فقط من المعلومات المتعلقة بالتحقيق في جريمة الحريري"، وهذا ما يدفع ديبلوماسيين غربيين التقوا بلمار خلال الأسابيع الاخيرة الى القول إن المدعي العام "شديد التكتم الى حد العناد والعجرفة" وانه يرفض الإجابة "عن أي سؤال يتعلق بأسماء المتورطين المحتملين في جريمة الحريري"، كما انه "يرفض الدخول في مناقشات حول الإنعكاسات المحتملة" لأي قرار اتهامي سيصدره في الأشهر المقبلة حرصاً منه على حسن سير التحقيق ومن اجل الحفاظ على حق المتهمين في التمتع بقرينة البراءة الى أن تدينهم المحكمة. وعلى حد قول ديبلوماسي أوروبي التقى المدعي العام "ان قضية الحريري بالنسبة الى بلمار ليست قضية شخصية يريد إستغلالها من أجل تحقيق إنجاز كبير يؤمن له الشهرة، بل إن المدعي العام يدرك تماماً حجم مسؤولياته ويتصرف على أساس انه يمثل مجلس الأمن والمجتمع الدولي والعدالة الدولية في مواجهة المتورطين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق ورفاقه".
قضية تمويل المحكمة
في هذا المجال تبرز مسألة تمويل المحكمة. والواقع أن طريقة تمويل المحكمة الخاصة بلبنان ضمان لاستمرار عملها وليس العكس، والنظرية القائلة إن دولاً معينة تستطيع وقف عمل هذه المحكمة من خلال الإمتناع عن المشاركة في تأمين الموارد المالية لها هي نظرية خاطئة تماماً وتتناقض مع حقائق الوضع للأسباب الآتية:
أولاً: أكثر من 25 دولة عربية وأجنبية وافقت منذ البداية على تمويل عمل المحكمة وهي تعرف تماماً ماذا تفعل، وهي اتخذت هذا القرار لأنها تريد معرفة الحقيقة ولأن مجلس الأمن هو الذي أنشأ المحكمة وهو الذي يرعى عملها، ولأن التحقيق الدولي يملك الأدلة والمعلومات الكافية لجلب المتورطين في جريمة الحريري أمام المحكمة. ولأن هذه الدول تريد لجم الأنظمة والجهات التي تستخدم العنف والإغتيالات من أجل فرض مطالبها على الآخرين. وهذه الدول مصممة على دعم عمل المحكمة الى النهاية، وهو ما دفع رئيس قلمها فون هيبل الى القول في بيروت "إن وضع المحكمة على صعيد التمويل أفضل بكثير من أوضاع محاكم دولية أخرى"، موضحاً أن لدى المحكمة الخاصة بلبنان التمويل اللازم لسنة 2010 وأن الدعم المالي لها قوي جداً وكذلك بالنسبة الى السنة المقبلة". وستناقش موازنة السنة المقبلة في أيلول.
ثانياً: لبنان يشارك في تمويل المحكمة بنسبة 49 في المئة ولن يستطيع الحكم اللبناني التوقف عن التمويل بسبب وجود إجماع وطني لبناني في مؤتمر الحوار لعام 2006 على دعم المحكمة، ولأن الحكومة الحالية أكدت التزامها دعم المحكمة في بيانها الوزاري، ولأن الرئيس ميشال سليمان التزم دعم المحكمة في خطاب القسم وفي تصريحات لاحقة له. ولن يستطيع أي طرف لبناني وقف تمويل المحكمة بقوة السلاح لأن ذلك يهدد الوضع اللبناني بأسره ويجعل الطرف المعرقل موضع شبهات قوية بل موضع إتهام.
ثالثاً: نظام المحكمة يضمن إستمرار تمويلها أيا تكن الظروف إذ إنه ينص على أن الأمين العام للأمم المتحدة هو الذي سيتولى العمل على تأمين الموارد المالية اللازمة لها إذا ما توقف بعض الدول عن التمويل.
رابعاً: القرار الإتهامي في جريمة الحريري سيصدر قبل نهاية 2010 وسيشكل الخطوة البارزة الأساسية لانطلاق عمل المحكمة. ولن يستطيع أحد منع بلمار من إصدار القرار الإتهامي لأنه يتمتع بتفويض من مجلس الأمن ككل وبدعم من المجلس وليس بتفويض من دولة معينة يخضع لها وينفذ طلباتها، وبعد صدور القرار الإتهامي يصعب جداً بل يستحيل على أي دولة أن تتوقف عن المشاركة في تمويل المحكمة لأن ذلك يعني المساهمة في حماية المتورطن في جريمة الحريري أو التواطؤ معهم وعرقلة مسار العدالة الدولية. ولن تتحمل أي من الدول الداعمة عمل المحكمة مثل هذه المسؤولية الكبيرة والخطرة.
خامساً: مسؤول دولي مطلع أفاد أنه لم تصدر عن أي من الدول الممولة عمل المحكمة إشارات الى أنها تريد وقف المشاركة في التمويل من أجل إرضاء هذه الجهة أو تلك، بل إن دولاً عدة طرحت في الأسابيع الاخيرة تساؤلات عن مدى التقدم في التحقيق الدولي وبدت مهتمة بالتعجيل في وتيرة عمل المحكمة فتلقت ردوداً مطمئنة من المسؤولين المعنيين بالأمر من غير أن تتمكن من الإطلاع على مضمون التحقيق الدولي وتفاصيله.
وقال لنا ديبلوماسي أوروبي معني مباشرة بالملف اللبناني: "إن الحرب السياسية والإعلامية والنفسية على لجنة التحقيق الدولية والمحكمة الخاصة مستمرة ولم تتوقف منذ بدء العمل جدياً لمعرفة حقائق جريمة الحريري. والكلام الذي تردد أخيراً عن وجود تفكير لدى أحد الأطراف في وقف تمويل المحكمة من أجل وقف عملها هو جزء من هذه الحرب السياسية والنفسية والإعلامية ويتناقض مع حقائق الوضع". ولاحظ "ان المتوترين القلقين المنزعجين من التحقيق الدولي ومن المحكمة والذين يهددون ويحذرون من الإنعكاسات الخطرة لعمل لمحكمة على الأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان، ينتمون جميعاً الى فريق سياسي واحد حاول منذ البداية بوسائل عدة عرقلة التحقيق ومنع تشكيل المحكمة لكنه باء بالفشل. وفي المقابل، يؤكد الفريق الثاني الذي يضم الإستقلاليين اللبنانيين منذ البداية ثقته بالتحقيق الدولي وبعمل المحكمة ويبدي باستمرار إستعداده لتقبل أي قرار تصدره المحكمة ويمتنع عن وضع أي شروط على عملها وتوجهاتها. فالفريق الأول يخشى الحقيقة ويتخوف جدياً مما سيصدر عن المحكمة، أما الفريق الثاني فإنه يتمسك بمعرفة الحقيقة لأنه يريد حماية لبنان من الإغتيالات ولأنه يريد تعزيز الأمن والإستقرار والسلم الأهلي والمصالحة الوطنية الجدية بين اللبنانيين القائمة على أسس واضحة ومتينة بعيداً من منطق الترهيب والتسلط والإحتكام الى السلاح والعنف".