#adsense

يترقّى من رتبة جنرال إلى مرتبة مختار

حجم الخط

جبل لبنان كان شامخاً الأحد الماضي في الانتخابات البلدية التي تمت بشكل ديموقراطي رعته الدولة وأجهزتها الأمنية والجيش ووعي الناس. وكان استحقاقاً أُنجز انجازاً حضارياً يجعل اللبنانيين يفخرون بأنفسهم كشعب حي، قادر حتى في ألّد اللحظات وأشرسها على أن يُعبر عن خياراته، عندما يكون له أن يريد، وعن تداركه "أخطاءه" وعثراته، عندما يكون له أن يحاسب، وينتقد ويعترف بضرورة تعدديته وتنوعه وصراعاته "الحرة" بعيداً عن المؤتلفات الشمولية العسفية والأحاديات الاستبدادية والذهنيات الغيتوية المغلقة وأشكال التهويل والتهديد والتخوين.

الانتخابات البلدية في الجبل بساحله ووسطه ومناطقه جاءت استمراراً للنيابية إلى حد كبير، بل تعزيز للمنحى المتحرر من الحواجز والضغوط والتابوات التي هيمنت على الناس على امتداد أربعة عقود. اذاً لم تكن هذه الانتخابات مجرد شعارات انمائية، أو مجرد تنافس عائلي، أو زواربي، أو مناطقي، بقدر ما كانت استطلاعاً جديداً لمدى ترسخ التوجهات "الديموقراطية" الجديدة، على قاعدة المحاسبة والمراجعة والوعي الحاد بالواقع ومخاطره ومجازفاته.

وبهذه "الروحية" الصامدة في وجه محاولات تصفية الإرث الذي تأسس على انتفاضة 14 آذار، من خلال السطو على نتائج الانتخابات النيابية التي انتصر فيها، ومحاولة تطويقها وافراغها من محتوياتها الديموقراطية والسياسية والاستقلالية، تمت انتخابات الجبل لتسفر النتائج في دورتها الأولى عن "تحولات" جديدة اصابت بالدرجة الأولى الجنرال عون، في ما تبقى من شعبيته المتدحرجة بوتيرة سريعة… إلى الأَدراك.

كأنما يمكن ان نلقبه أحياناً بجنرال "المُنْحَدرات"، فمنذ انتخابات 2005 حتى اليوم يسجل الجنرال بكل "فخر" و"اعتزاز" و"ظفر" وانتصار وأريحية "انجازاتِ" الخسارة المتصاعدة نزولاً ويحسبها "ربحاً" ويخطو إلى الوراء ويحسب انه يتقدم إلى الأمام، وينزل إلى تحت ويحسب انه يطفو إلى فوق… رائع! فهو المنتصر عندما يكون مهزوماً، والمهزوم عندما يكون منتصراً. واذا اعترف بشيء من التراجع فلكي يتهم سواه بأسباب تراجِعه. مصادره "اتهمت" الناخب الشيعي في جبيل ليحمله وزر سقوطه ولم ينس الناخب الأرمني (الطاشناق)… ولم يوفر رئيس الجمهورية… ولا الأجهزة الأمنية وربما البطريرك والمال والناس عموماً. فهؤلاء كلهم مسؤولون عن هزيمته المدوية.. الكل مسؤول ما عدا "حضرته" تماماً كأنظمتنا العربية التي تنتصر في هزيمتها وترفع شعارات النصر في نكساتها وتحمل "الخارج" مسؤولية كل شيء، لتتجنب النقد الذاتي والمراجعة وفتح أبواب الرأي العام والناس.. فعقل ميشال عون مُركّب تركيباً كيميائياً تبريرياً. "منطق تبريري" لكل تراجعه. وهذا شأن كل الذين لا يعترفون بأخطائهم ويصرون عليها… ويتدركبون (باذنه تعالى) مع أخطائهم وخطاياهم.

وعندما سمعنا ميشال عون "يحلل" نتائج انتخابات الجبل، (وهو محلل ومفكر استراتيجي كبير، ويمكن أن تطلعوا على مؤلفاته الفكرية الكاملة الصادرة مؤخراً وبلغات عديدة.. ما دام هناك موضة اليوم باصدار الأعمال الكاملة لا سيما عند الشعراء..).

حسناً، كم ان الهذيان يمكن أن يكون هذياناً. وكم ان الهزيمة يمكن ان تصدع "تماسك" "المَلِكات" عندما يكون أصحابها ممن يعطلون "ملكاتهم" من أجل "ملكوتهم" الشخصاني! فهو رَبح. هكذا. ولكي يقنع القريب والبعيد أورد نسباً واستنتاجات وأرقاماً افضل ما فيها ديماغوجية، ما عادت تنطلي لا على قواعد ميشال عون ولا على قواعد الآخرين… خصوصاً عندما يعرضها بلهجة فوقية تظنه عبرها قرينَ بونابرت أو هنيبعل أو ديغول أو فخر الدين، فالقوطبة على نتائج الانتخابات التي فازت فيها قوى 14 آذار كما هو معلوم، بصرف النظر عمن "افرنقع" من هنا أو من "اسحنفر" من هناك من رموز أو غير رموز "تهيباً" أو "فخامة" أو "ميلاناً" مع ميلان هذه الريح.. أو ذاك الهواء، وكأن المراهنة على الناس عندهم من المراهنات الهشة التي تخسر أمام المراهنات على النزعات الأمنية والعنفية. على هذا الأساس وبحسابات ضيقة وخاصة وسلطوية كان للجنرال ان يختار المواقع التي لا تعبر عن الجمهور الذي حمله إلى الزعامة. وظن أنه يمكن أن يستمر بجرّ هذا الجمهور إلى غير قناعاته (والغريب ان بعض المثقفين والشعراء امتدح عون على قدرته على اقناع جمهوره بغير ما يقتنع أو يؤمن به. فيا لهذه النباهة، ويا لهذه العبقرية عند أهل التحليل… وعند صاحبنا عون) وإلى غير مصالحه وإلى غير مصيره. وهذا بالذات ما جعله يغرد خارج "سرب" حتى تياره الذي راح يتبخّر بكادراته اللامعة والمناضلة أيام النظام الأمني المشترك الشَّؤوم وناسه، شيئاً فشيئاً، ويدفع عون إلى نوع من العزلة التي رمته أكثر فأكثر في أحضان المرجعيات تعويضاً عن شعبيته المنهارة. كأنه "الملك لير" الذي يبحث عن حلفائه وابنائه.. ولا يجد أحداً.. سوى خوفه ونقمته وعجزه: حجر يتدحرج "كجلمود صخر حطه السيلُ من علِ.."، حجر بدأ يتدحرج منذ بضع سنوات ويستمر تهاوياً بقوة أكبر وسرعة خيالية.

خرج من 14 آذار بصفقة لم تحققها الظروف بحمده تعالى، علماً بأنه لولا دم الشهيد الحريري وثورة الأرز وانتفاضة الاستقلال لما سُمح له بالعودة من منفاه المُترف. ومع هذا ناصب العداء لكل 14 آذار، وارتمى عند قوى 8 آذار ، عال. هذا شأنه لكن وكما قال أبو جمرا (صديقه ورفيقه وحليفه القديم الذي ضحى من أجله وتنكر له الجنرال). "من يزرع الريح يحصد العاصفة". وما زرعه عون منذ عودته من منفاه… من تناقضات وتقلبات وتواطؤات وتنازلات وتنكر "للمبادئ" التي جاهر بها يحصده. وها هو اليوم كل همه، ان يتماهى بشكل كلي مع المرجعيات لقاء تعويض عن تراجعه. ونظن ان قوى 8 آذار لن تبقيه مرفوعاً عندها على مناكب التدليل والتغنيج لقاء جعله غطاءً للمخططات الوافدة ولا للاجراءات الناهية، ولا باستعماله "فزاعة" في وجه خصومها، لسبب بسيط: انه لم يعد يصلح لا غطاء ولا رديفاً… عندما بدأت تتدركب شعبيته من فوق إلى تحت، ومن تحت إلى تحت. حتى صار الفوق من "تحت" والتحت من "فوق" وتالياً بات يشكل عبئاً عليها، وارباكاً لها في اندفاعاته وتعطشه إلى السلطة اياً كان الثمن.

ونظن أن الجنرال بدأ بالعد التنازلي وما زال فور انفصاله عن المواقع التي تأسس عليه طلوعه أي 14 آذار. في الوقت التي راحت 14 آذار تتقدم، وتتوغل وتعمل على كشف خلفياته وأهدافه وخطورة تحالفاته ومواقفه. راح الجنرال بتصرفاته وسلوكه وشهيته للاستئثار وانحيازه إلى كل من لا يريد وحدة البلد، ولا سيادته ولا دولته ولا مؤسساته ولا ديموقراطيته ولا استقلاله ولا قراره الوطني ولا مجتمعه التعددي ولا حرياته الاعلامية والسياسية ولا المساواة أمام القانون… بمحاولة تهديم الكيان اللبناني ودوره وحضوره… في محاولة لتعطيل مؤسساته بدءاً بقوى الأمن الداخلي التي دأب على تشويه سمعتها، وتلطيخ صورتها لا سيما بعد كشفها شبكات تجسسية تعمل لمصلحة اسرائيل! فيا للهول! كأنما يدافع عن هذه الشبكات في تهجمه على الأداة الأمنية التي فضحتها بشيء مخيف. انها الأدوار التي لعبها، وساهمت في جر البلاد إلى مواجهات وحروب وغزو واغتيالات وارهاب على مجلس النواب وعلى الحكومة ولم يستثنِ الجيش الذي اختاره جنراله السابقِ دور الكشاف وشرطي السير ولغيره حق الدفاع عن الوطن. رائع!! اذاً فليخَل الجيش بحسب منطقه الحدود اللبنانية ويتركها في أيدي سواه، وهكذا نعود إلى اتفاق قاهرة جديد.. قد يؤدي إلى حروب أهلية كتلك التي وقعت على امتداد ثلاثة عقود. براو!

واللافت ان كلما اتسع الشق الاستقلالي والوطني والسياسي والسيادي بينه وبين مكونات 14 آذار. ضاقت علاقته بجمهوره من ناحية، وبمعظم اللبنانيين من ناحية أخرى.

وكلما تمادى في رفض "الواقع" وتجاوز متطلبات الضرورية، والقفز فوق ارادة اللبنانيين والاستسلام لمواقف معروفة، تهاوى في ذاته، وتهاوى بين الآخرين.. وتصاعدت قوة 14 آذار وتماسك جمهورها: عند عون تفكك في بنية تياره وتراجع… مقابل تعزز قدره 14 آذار على الحراك.. هذا، عندما يكون لـ 14 آذار ان تتمسك بارادة ناسها، ومكتسباتها الوطنية وتخطي "الحسابات" الضيقة، والتراجع عن طموحات جمهورها وآماله وانجازاته. واللافت انه في الوقت الذي ما زال جمهور 14 آذار يحمي انتفاضته وحتى رموزه بشغف نادر، نجد ان جمهور عون.. يتبخر من حوله.

وهذا يعني انه كلما تجمعت الارادات العالية في مكونات 14 آذار القيادية على تعميق الرؤيا الوطنية، والسيادية والاستمرار في الخط النضالي ومواجهة التحديات القائمة والمخططات التي تهدف الى فكفكتها، لباها جمهورها باقتناع يتجاوز احياناً كثيرة اقتناعات رموز فيها وبتضحيات تفوق احياناً كثيرة تضحيات بعض قياداتها: انه الجمهور المنتظر والمصغي والمبادر، الذي لم يخذل نفسه ولا مكوناته يوماً. فعندما يكون له ان يحسم في استحقاق ينجح بقوة. والدليل هذا الشريط الطويل من الانتصارات التي حققت في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين ومن ثم الاستحقاق البلدي الأخير في جبل لبنان. والغريب انه كلما راهن أهل 8 آذار على تضعضع وتفكك قواعد 14 آذار تفاجئهم هذه القواعد بقوة حضورها وجهوزيتها ورسوخ ايمانها. وقد فعلت في انتخابات الجبل البلدية والاختيارية ما تجترحه "المعجزات" عندما اكتسحت "معاقل" كانت مغلقة للجنرال… ولسواه واكملت اسقاط "الهالات" المفبركة والوهمية وتبديدها كدخان السيجارة.

هذا عندما يكون لـ 14 آذار ان تتوحد. واضعة نصبها الأهداف الوطنية المصيرية وعندما يكون لقياداتها ان تنسجم مع جمهورها في السعي إلى تحقيق ما ينشده وعندما يكون لها ان تمارس النقد الذاتي باستمرار وتصحيح بعض المسارات والاقلاع عن هذا الخطاب الاعتذاري الاعلامي وتؤمن بالتعددية داخل مكوناتها ايمانها بالتعددية داخل مجتمعها. يعني ببساطة ان هناك من يراهن على تشتيت وحدة 14 آذار وعزل عناصرها عن بعضها وعزل هذا الحزب عن ذلك التيار وتلك الطائفة عن تلك الطائفة ليتسرب من يتسرب من خلال التباعدات فيَستفردُ كل فريق على حدة: هذا ما حصل على امتداد اكثر من أربعة عقود.

ونظن ان محاولات تحجيم قوى 14 آذار شغالة على اكثر من خط وبكل الاساليب ولا بد من القول ان قياداتها يعرفون ذلك من خلال من "افرنقع" عنها، أو من يحاول الافرنقاع، أو يبدد التوحد في الاستحقاقات وفي السلطة وفي الممارسات.

الجنرال عون هذا دوره بالتحديد. ان يُدفع باتجاه خلخلة قوة خصومه في 14 آذار وتفريقها وتحجيمها وتسفيهها وتخريب منجزاتها الاستقلالية والمؤسساتية والديموقراطية والسياسية وصولاً إلى افراع كل شيء من كل شيء، الدولة من الدولة ، الديموقراطية من الديموقراطية، السيادة من السيادة، الجيش من الجيش، قوى الأمن من قوى الأمن، الارادة الوطنية من الارادة الوطنية، الكيان من كيانيته، المجتمع من مدنيته. وهذا ما كان قائماً في الماضي ويريد بعضهم تجديده عبر عون وسواه تمهيداً لسيطرة احادية استبدادية، داخلية خارجية.. هذا ما يريده بعضهم عبر عون.. لن أقول انه يستخدم "كرابوق" ولا كفزاعة الحقول ولكن كاداة تشكل خطراً على "روحية" هذا البلد.. أي تمسك أهله بالحرية والاستقلال، ومعروف أن هذا الدور الذي أُوكل لجنرال الأدوار "الكومبارسية" ادى إلى هذه الانهيارات المتتابعة داخل تياره على مدى السنوات الأخيرة، وقد دفع بذلك ثمن مواقفه نقداً. وما زال الثمن الباهظ ينتظره في ما تبقى منه ومن تياره ومن احلامه الشخصية المعهودة ، ونكاد نقول إن الجنرال خسر عن غيره عندما عرف غيره، (من حلفائه) ان يتدارك بذكاء، وأن يدفعه إلى الواجهة حيث لا يريد أن يجاهر، أو يكشف أهدافه، أو ان "يُنيبه" عنه في "أطروحات" ليتجنب ان يطرحها مباشرة. لا نريد ان نقول إن الجنرال انتقل من "صوت سيادي تحريري" في التسعينات (ونحن من الذين لم نقبضه آنئذ وكذلك بعض الشعراء الذين يمتدحونه اليوم يا عين!). إلى صدى. هكذا. صدى! وما أضعف الصدى: وشتان ما بين الصوت الذي يصير صرخة، والصوت الذي يصير صدى.. سواه! آه! من الأصداء كم آلمتنا فيما مضى وتؤلمنا اليوم، في رجعها وارتداداتها الموسومة بقوى لا تريد أن يكون البلد ذا دور أو ذا حضور أو حتى ذا تمثيل!

الجنرال عون لا يراهن منذ عودته من منفاه المترف إلاّ على تخريب انتفاضة 14 آذار منجرفاً إلى المواجهة. وها هو اليوم، وعبر انحداراته السحيقة المستمرة "من علِ" يتحول، وبفضل "استقلالية" قراراته ووطنية "استراتيجياته" وعراقة بداهاته ونباهاته (بالجملة والجمع) إلى ما دون "الزعيم" الذي "كانه" في غفلة من الناس، وإلى ما دون "الدور" والخصوصية والحجم والموقع. ويكفي ان نرسم خطاً بيانياً لمنحدراته الحادة لكي نتبين ما تبقى من ظلاله وأصدائه واسماله: فمن "ثائر" تحريري (مزعوم طبعاً) في التسعينات، إلى "الزعيم" الأهم عند المسيحيين، فإلى رئيس تكتل نيابي كبير من ملمومات "الأرباب" ومن 70 بالمئة من جمهور بيئته، فإلى 50 بالمائة، فإلى أقل من ثلاثين؛ ومن مؤلف لوائح نيابية (ربحت بأصوات أخرى) ، إلى "مموسق" لوائح بلدية.. خسرت، فإلى مستفتٍ في مرشح واحد في زحلة (طالب عون سكاف بـ 11 عضواً في تياره في زحلة وبنيابة رئاسة البلدية)، فإلى افتعال معركة في بيروت وليس ضمن لوائح بلدية.. بل استفتاء في الانتخابات الاختيارية.. تأملوا! لم يعد له ان يثبت "قوته" وحضوره إلاّ في تنافس اختياري.. ولم يعد له ان يعوض عن خسائره الشعبية الفادحة إلاّ بالاستنجاد بالمخاتير وفي دوائر مسيحية محدودة، بالطبع مع حليفه حزب الله..

شيء مضحك ومفجع ما آل اليه عون: سقط من قبل في الانتخابات النقابية والطالبية والمهنية.. والبلدية، وها هو يستعد لهزيمة على مستوى المختارين. الله الله يا ميشال عون: اهكذا تتدحرج وانت واقف وتقف وانت تتدحرج من جنرال "الجنرالات" إلى مختار المخاتير. ومن زعيم موسوم "بالعظمة" و"الأمجاد" (لم ينتصر في معركة عسكرية واحدة؛) إلى كومبارس يُدفش من وراء الكواليس بحثاً عن دور لكي لا يجد لا دوراً ولا ملابس ولا كلاماً ولا حركة سوى ما يردده سواه من المخرجين والكتاب.. الذين عرفوا في النهاية انه لم يعد يصلح لأي دور.. حتى "لكومبارس".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل