#adsense

وحدة الموقف من الدولة تضمن حماية لبنان

حجم الخط

لبنان تحوّل ساحة منذ انقسام اللبنانيّين حيال المحاور
وحدة الموقف من الدولة تضمن حماية لبنان

يعيش اللبنانيون اليوم مرحلة الانقسام السياسي التي عاشوها عام 1943 بين مؤيد للخط السياسي البريطاني في المنطقة ومؤيد لخط فرنسا. فمؤيدو الخط البريطاني كان عليهم القبول بانضمام لبنان الى جامعة الدول العربية لتكون جامعة للسياسة البريطانية ونفوذها في المنطقة، ومؤيدو الخط الفرنسي كانوا يعارضون انضمام لبنان اليها ليظل بعيدا من صراعات المحاور العربية والاقليمية والدولية،ـ ولا يكون طرفا فيها من خلال المواقف التي عليه اتخاذها من المواضيع التي تُطرح على مجلس الجامعة.

وكان أصحاب هذا الرأي يريدون أن يبدأ لبنان الخطوة الاولى على طريق الحياد الايجابي فلا يكون مع الشرق ولا مع الغرب كما نص ميثاق 43، بل يكون مع نفسه أولا ويحمي مصالحه من خلال توظيف صداقاته مع الجميع من دون أي تمييز ولا عقد تحالفات مع طرف لمواجهة طرف آخر، خصوصا ان لبنان يقع جغرافيا بين دولتين، دولة عدوة هي اسرائيل لا يعترف لبنان بها ودولة جارة وشقيقة هي سوريا لا تعترف باستقلاله الا لفظيا وتعتبره تابعا لها… وهذا ما جعل الزعيم الوطني رياض الصلح رئيس أول حكومة في عهد الاستقلال يقول في البيان الوزاري: "ان حكومتي لن تعرف مرجعا غير ارادة الشعب اللبناني، ولن تستوحي سياستها من غير مصلحته الوطنية العليا، فهي منه وله وحده أولا وأخيرا، واننا نريد الاستقلال استقلالا صحيحا ونريد سيادتنا الوطنية الكاملة، نتصرف بمقدراتنا كما نشاء وكما تقتضي مصلحتنا الوطنية من دون سواها".

وكما كان موقف الزعيم رياض الصلح في الماضي حيال لبنان مع "مصلحته الوطنية العليا أولا وأخيرا"، فان رئيس الحكومة سعد الحريري أكد تمسكه بهذه المصلحة برفع شعار "لبنان أولا" لكتلته النيابية.

لكن انقسام اللبنانيين بين شرق وغرب خلافا لما نص عليه ميثاق 43 جعل لبنان، من وقتها، ساحة مفتوحة لصراعات المحاور العربية والاقليمية والدولية، فصار اذا وقع انقلاب في أي دولة عربية، كانت هذه الساحة للتعبير عن المؤيدين له والمعارضين، واذا سقط شهيد في مواجهة العدو الاسرائيلي كانت هذه الساحة مفتوحة للتظاهرات الصاخبة التي لا تخلو أحيانا من أعمال العنف والاعتداء على الاملاك العامة والخاصة، مما جعل الشاعر الجنوبي موسى الزين شرارة يقول: "اذا شعب تظلّم في أقاصي الارض، تظاهرنا وأضربنا وأحرقنا الدواليبا، ولم يشعر بنا أحد كفى بالناس تجريبا"…

ويذكر ان الدواليب أحرقت في بيروت عام 1937 عندما دعي اللبنانيون الى التظاهر لمناسبة مرور عشرين عاما على وعد بلفور، ثم أحرقت في احدى التظاهرات عام 1958 نتيجة انقسام اللبنانيين بين مؤيد لـ"التيار الناصري" ومناهض له وبعد اعلان استقالة الرئيس جمال عبد الناصر انطلقت في بيروت تظاهرة شعبية صاخبة لجأ بعض المتظاهرين فيها الى تحطيم أبواب بعض المحال التجارية، وحاول البعض منعهم فنهاهم مسؤول حزبي كان يواكب التظاهرة بالقول: "بشعر بدّن المتظاهرين يفشّوا خلقن"… فكانت النتيجة أن الرئيس عبد الناصر غيّر رأيه ورجع عن استقالته وغيّر أصحاب المتاجر أبواب متاجرهم المحطمة… وغيّر رجال السياسة اسم واقع الحال من "هزيمة" الى "نكسة" وكأن شيئا لم يكن…

ولأن لبنان تحول ساحة ليس منذ عام 1943 بل قبله وذلك عندما قامت تظاهرة في احدى القرى المسيحية احتجاجا على سجن نابوليون الثالث وراح المتظاهرون يهتفون: "يا بتردّو النابوليون يمّا بتقوم الضيعة".

واستمر لبنان ساحة الى اليوم، ولا يزال، فكانت تظاهرات قطع الطرق وحرق الدواليب من أجل اسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وكانت اعتصامات في قلب بيروت لم تستطع رغم استمرارها اكثر من سنة، اسقاطها، بل نجحت في اسقاط موسمي السياحة والاصطياف وإلحاق الضرر الفادح بأصحاب الملاهي والمقاهي والمتاجر…

ويواجه "لبنان الساحة" اليوم ما هو أخطر نتيجة انقسام اللبنانيين ولا سيما منهم المسيحيون بين من هم مع المحور الايراني – السوري ومن هم ضد هذا المحور غير عابئين ولا مبالين بما قد يحل بلبنان اذا وقعت الواقعة بين هذا المحور واسرائيل، وكانت بينهما حرب دمار وخراب متبادلين وليست حربا ينتصر فيها طرف على آخر بحيث يفرض المنتصر شروطه على المنكسر.

والسؤال المطروح على العقلاء من اللبنانيين وخصوصا المسيحيين الذين كانوا علة وجود لبنان وضحوا بالكثير من أجل بقائه هوية وكيانا، ومن أجل بقائه مستقلا سيدا حرا، ما هي مصلحتهم في أن يكون وطنهم مرة اخرى ساحة لحروب الآخرين على أرضه؟ ألم يكفه ما تحمّل من جراء هذه الحروب بسبب انقسامهم بين من هم مع المسلحين الفلسطينيين الذين أرادوا أن يحرروا فلسطين من لبنان وأن يجعلوا من جونية طريقا الى القدس… فكانت النتيجة ان دمر لبنان ولم يتحرر شبر واحد من أرض فلسطين المحتلة بل زادت مساحات الاحتلال، ووصل الاجتياح الاسرائيلي للمرة الاولى الى العاصمة بيروت… فهل يريد اللبنانيون بانقسامهم اليوم بين المحور الايراني – السوري ومناهضيه اعادة الكرّة بتدمير لبنان مرة اخرى بحيث لا يقوم له بعدها قيامة، لا لشيء سوى لتجربة الاسلحة المتطورة على أرضه في حرب قاسية بين اسرائيل وايران وهي حرب لا ناقة للبنان فيها ولا جمل اذ ان ايران تصر على ان تحصل على سلاح نووي أسوة باسرائيل فينكسر عندئذ التوازن العسكري بينهما، واسرائيل التي ترفض ذلك بشدة لان انكسار هذا التوازن يهدد ليس أمنها فحسب بل وجودها، وهو ما أكده الرئيس الايراني احمدي نجاد بقوله: "ان حربا جديدة مع اسرائيل ستكون هذه المرة نهايتها وزوال وجودها".

الواقع، لو أن لبنان ظل خارج الجامعة العربية وأقام أحسن العلاقات مع كل دولة عربية ولم يكن طرفا في أي نزاع عربي واقليمي ودولي، لكان أرسى مذذاك أسس تحييده عن كل نزاع، ولما كان اليوم يحوّل أرضه ساحة للصراع بين اسرائيل ومن معها وايران ومن معها، فكما كان الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان سببا لاجتياحات وحروب مع اسرائيل فانه يخشى ان يكون سلاح "حزب الله" سببا لمثل هذه الحروب الاكثر تدميرا من ذي قبل، لأن الأسلحة باتت أكثر تطورا.
يقول مرجع رسمي ان ما ينقذ لبنان ويحميه من أخطار الحروب المحتملة، هو منع اسرائيل من الاعتداء عليه بدون سبب بضغط من الدول الصديقة وامتناع لبنان بالتالي عن اعطائها ذريعة للاعتداء عليه فتصبح اذا ما وقعت الحرب، عندئذ في المنطقة، خارج حدوده كما كان في حروب سالفة، فنعم بالهدوء والامن والاستقرار والازدهار. فهل يتفق اللبنانيون الواعون على "استراتيجية السلام" عوض ان يظلوا مختلفين على "استراتيجية الحرب"؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل