#adsense

من الرحابنة الى صراع المحاور!

حجم الخط

بصرف النظر عن الجوانب التضخيمية والمبالغات التي تواكب جولة اثر جولة في الانتخابات البلدية والاختيارية الجارية، وتفوق طبيعتها على احتمال الافراط في النفخ السياسي، يبدو مفيدا تفحص هذه المبالغات لناحية ما تحمله من هواجس خاصة بكل من الفئات والمناطق التي تتعاقب طوال شهر أيار على "فحص الدم".

في الجولة الاولى "الجبيلية" من الانتخابات تصدّر لائحة الهواجس التنافس المسيحي – المسيحي المحموم، فقلب شعار الاستحقاق رأسا على عقب. كنا في انتخابات "متواضعة" عنوانها الغالب انمائي وعائلي، فصرنا في مبارزة تكمل في حقيقتها الفرز الانتخابي والسياسي للاستحقاق النيابي عام 2009. ظلم العنوان المسيحي – بل التهم بحدته – منافسات اخرى في البيئة السنية لم تأخذ حقها، مع بروز خصائص في اقليم الخروب مثلا، كما طغى على اختراق شيعي اختياري كاد يكون يتيما في الضاحية، كما أنه طمس امكانات التعرف الى دوافع حملت البيئة الدرزية على الانسياق السلس وراء ثنائية جنبلاطية – ارسلانية مستعادة دونما عناء.

في الجولة الثانية في بيروت والبقاع اتخذت الهواجس منحى شديد التضارب والتناقض بين البيئات الطائفية. لم يكن خافيا في بيروت تحديدا هاجس تزامن انتخاباتها مع الذكرى الثانية لأحداث 7 ايار 2008 في المقلب السني – الشيعي، وهو الهاجس الذي لم يقو أي طرف إلا على احتسابه، انْ منخرطا في التحالف الانتخابي الواسع أو خارجا عليه. شعار "وحدة بيروت" وتحكُّم المناصفة بكل الآليات السياسية والعائلية والحزبية التي طبعت الانتخابات، كانا أشبه بإنذارات من اختلال التوازن مسكونة بكل الإرث المخيف الذي استوطن بيروت بعد 7 ايار 2008.

وبدا واضحا ان زمن اختراق تقسيم بيروت انتخابيا في الاستحقاق البلدي، لم يحن بعد، أقله بعد سنتين من 7 ايار فطاشت سهام الحسابات التي لم تأخذ هذا الهاجس جيدا في الاعتبار. يمكن في زمن "عادي" طرح التقسيم الانتخابي لبيروت، على غرار ما حصل في الانتخابات النيابية، فلا هو طرح "تقسيمي" بالمعنى الانفصالي، ولا وحدة بيروت الجامعة للبنانيين تسمح بأي نزعة استئثارية. لكن المسألة الآن لا تزال في "غرفة العناية الكثيفة" السنية – الشيعية بالدرجة الاولى، ومن دون أي مواربة، حتى لو استلزمت آليات تمييز بين استحقاق نيابي وآخر بلدي، ولا لزوم لتفسير المفسّر.

أما "الهاجس المسيحي" الصرف في بيروت فبدا هذه المرة مدهشاً في فرادته. أقل من 40 مختارا اختصروا في عنق الزجاجة كل "الفرز السياسي" القائم منذ عام 2005. تعملق "المختار" وصار زعيما أين منه الزعماء الذين تهافتوا على نفخه حتى الذروة. لم يحظ "المختار" بهذه المرتبة المفرطة في تسييسه وتعظيمه الا مرتين: مرة قبل أكثر من خمسة عقود حين رفعه عباقرة الفن اللبناني الاخوان رحباني الى مصاف "الخلية" التأسيسية الاولى المحركة للمجتمع السياسي اللبناني، ومرة ثانية الآن حين صار موازيا لصراع الزعامات.

وليس بعيدا من ذلك، زحلة بدورها استنزلت على أحيائها صراع المحاور الاقليمية العظمى الى جانب الشعارات الموغلة في تحفيز القواعد، "تحرير" زحلة من الاحزاب واسترداد استقلاليتها في مواجهة حقوق الاحزاب وأفضالها وما بينهما من تسلل نفوذات اقليمية ودخيلة على المدينة. استعادت زحلة ايضا بعضا من معركة جبيل البلدية، بين نزعة الى قديم – مجدّد وصراع زعامات مناطقية وسياسية.

في الأبعد قليلا، ليس تفصيلا عابرا تشكيل لوائح منافسة للثنائي الشيعي العملاق في بعلبك وبعض أنحاء الهرمل، ولا كان تفصيلا ايضا بروز مواجهات سنية – سنية في وسط البقاع والبقاع الغربي، كما لم يكن تفصيلا العجز عن ردع مواجهات درزية في البقاع الغربي وراشيا. هي هواجس "حميدة" تحمل نزعة تفلّت أهلي – بلدي من قاطرات "السياسة العليا" – فلا بأس بها ولو على سبيل فحص الدم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل