مرة أخرى··· أثبتت بيروت تمسكها ببوصلة الوحدة، ورفضها التخلي عن أسس العيش المشترك، التي أرسى قواعدها اتفاق الطائف، وحرص الرئيس الشهيد رفيق الحريري على ترجمتها عملياً عبر تكريس المناصفة في مجلس بلدية العاصمة·
مرة أخرى ··· أكدت بيروت خياراتها الوطنية الكبرى، التي ترتفع بها فوق جراحها، وتعتمد من خلالها نهج التسامح، وفتح الذراعين للآخر، وذلك حرصاً علي الممارسة الديمقراطية الخلاّقة، وحفاظاً على الطابع الحضاري للتنافسات السياسية والحزبية،·· وما أكثرها هذه الأيام!
ومرة أخرى ··· تنتصر بيروت للديمقراطية أمام محاولات الهيمنة الشمولية، وتدافع عن الوحدة أمام دعوات التقسيم والشرذمة، وتحافظ على التوازن بين جناحيها دون الالتفات إلى الفوارق العددية بين أبناء هذه الطائفة أو تلك، ودون الأخذ بمنطق الديموغرافيا في هذه المنطقة أو تلك!
ولأن بيروت تختصر بأطيافها وألوانها نسيج الوطن كله، حاول رئيس الحكومة على مدى الأسابيع الأخيرة، أن يجمع الأطراف السياسية تحت خيمة البلدية، لعل العمل الإنمائي يُصلح ما أفسدته الصراعات السياسية وخلافاتها المزمنة، ولكن محاولاته اصطدمت بالشروط التعجيزية التي طرحها التيار العوني، وسانده فيها حليفه حزب الله، في موقف أثار استغراب أبناء بيروت الذين اعتادوا منذ سنوات طويلة أن يكونوا في خندق واحد مع إخوانهم وجيرانهم الذين يتقاسمون معهم الرغيف الواحد، والمبنى الواحد، والمصير الواحد! ولعل مبادرة الرئيس نبيه بري وحرصه على التجاوب مع مساعي الرئيس سعد الحريري للوصول إلى لائحة توافقية تنقذ الاستحقاق البلدي من السقوط في زواريب العاصمة، قد ساعد كثيراً الأجواء البيروتية على تجاوز <صدمة< موقف حزب الله في الابتعاد عن التوافق، والتغريد خارج لائحة وحدة العاصمة!
فأبناء العاصمة ما زالوا يؤمنون بأن صوت الوحدة الوطنية، وتفعيل صيغة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، يقتضي أولاً الحفاظ على الوحدة الإسلامية التي تبقى الأساس للوحدة الوطنية، بالقدر التي تشكله الوحدة المسيحية في تمتين أواصر الوحدة الوطنية، وبالتالي فلا بد من عزل الخلافات السياسية، مهما اشتدت بين القيادات والأحزاب، عن مجريات العيش الواحد، إلى جانب العمل المستمر على عدم وصول تداعيات الخلافات والصراعات إلى الشارع، والباسها أثواباً طائفية ومذهبية، حتى لا نعود إلى مشاهد 7 أيار الأسود، وما سبق ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ الوطن·
أما ظاهرة تدني المشاركة في بعض مناطق العاصمة وأحيائها، فتعود إلى جملة عوامل، يختلط فيها السياسي بالشخصي، وتمتزج معها مشاعر الاحباط مع الشعور بالإهمال، ويضاف اليها غياب أجواء المعركة الفعلية من جهة، وتراضي الماكينة الانتخابية من جهة ثانية·
بقيت المشاركة في المزرعة ورأس بيروت والأحياء الأخرى حولهما بحدود معقولة (30 بالمئة تقريباً)، رغم المناخات التي هيمنت على الجو البيروتي بعدم وجود معركة انتخابية في المقاييس المعهودة للمعارك الانتخابية، وخاصة أن برودة الأجواء التنافسية انعكست استرخاء على شباب الماكينة الانتخابية في هذه المناطق!
أما انخفاض مستوى المشاركة في منطقة الأشرفية ومحيطها وصولاً إلى ميناء الحصن، فليس بالأمر المستجد مقارنة مع الانتخابات البلدية السابقة، خاصة بعد ما تبين ان معظم المسجلين في ميناء الحصن مثلاً هم من أبناء الأقليات، خاصة اليهودية، والذين غادروا البلد في الفترة بين حرب تشرين 1973 واندلاع الحرب الأهلية بعد عامين من ذلك التاريخ·
أما قول وزير الداخلية زياد بارود بأن انخفاض مستوى المشاركة في بيروت مرده إلى عدم اعتماد النسبية بدل النظام الأكثري المعمول به حالياً، فلا نخاله يعبر عن الواقع بدقة، خاصة إذا رجعتا إلى أرقام المشاركات السابقة في الانتخابات البلدية·
وتعدد التفسيرات لظاهرة انخفاض المشاركة في بيروت، يجب ألا يلهينا عن معالجة مشاعر الاحباط السائدة في العاصمة التي يعاني أبناؤها من قلة التواصل مع المرجعيات والقيادات السياسية، وتتراكم شكاويهم من حالات الاهمال في الإدارات الرسمية، البلدية منها والخدماتية، فضلاً عن التدني المستمر في مستوى الخدمات اللوجستية مثل أزمة السير، وعدم معالجة النتوءات والشوارع الداخلية المجمدة منذ فترة، وغياب الإنارة عن العديد من الشوارع ليلاً، والتقصير في تجهيز الحدائق وصيانتها، فضلاً عن المعاناة المعروفة في الحصول على رخص البناء أو اتمام تسويات المخالفات·
ورغم كل تلك المعاناة··
ارتفعت بيروت فوق الجراح، وتجاوزت دوائر الإهمال والإحباط··· وقالت كلمتها: نعم للوحدة ··· نعم للمناصفة ··· نعم للشراكة الوطنية الحقيقية!
أما المسائل الأخرى فتبقى تفاصيل برسم المعالجة من أهل الحل والربط·