قراءة سريعة لنتائج المرحلة الثانية للانتخابات البلدية تشير الى ان "التيار الوطني الحر" يتراجع بشكل متواصل في كل مكان، وقد كانت الانتخابات البلدية في جبل لبنان مؤشرا واضحا الى ان المزاج المسيحي بات متعارضا في معظمه مع "مزاج" الجنرال ميشال عون الذي كان عليه في الانتخابات النيابية الاخيرة في حزيران 2009 ان يعتمد على تصويت غير مسيحي كثيف ومعلب من بعبدا الى المتن فكسروان وجبيل كي لا يمنى بخسارة تامة تقصيه من الخريطة البرلمانية. وفي كل مرة كان عون يستفتي الصوت المسيحي الصرف كان واضحا ان "تسونامي" 2005 انحسر الى حد بعيد بعدما ابتعد عنه الراي العام المسيحي الممثل للفئة الاكبر اعتراضا على خياراته السياسية. ومع ان قوى 14 اذار حققت تقدما ملموسا، فإنها كانت مؤهلة لما هو اكثر لولا اخطاء كثيرة وعثرات اكثر ليس هنا مجال البحث فيها.
في الانتخابات البلدية في مرحلتيها الاولى والثانية يخرج المراقب بخلاصة اولية مفادها ان الاقتراب من عون صار مصدر خسارة، والابتعاد عنه اضمن واوفى وقد يكون مربحا. هذا ما حصل تماما في زحلة حيث فهم النائب السابق الياس سكاف او بعض محيطه ان الاستمرارفي التماهي مع عون على قاعدة الانتساب الى كتلة ضخمة مصطنعة كـ"التغيير والاصلاح" هو طريق مضمون نحو الخسارة. فالمزاج المسيحي في المدينة الذي اعطى غالبية صافية لقوى 14 آذار في الانتخابات النيابية (قبل احتساب غير المسيحيين) عاد ومنح لائحة اسعد زغيب اكثرية صافية ما كانت كافية لتأمين الفوز بعد احتساب البلوك الشيعي والمجنسين الآتين من سوريا. ومهما يكن من امر، فقد كان الفارق ضئيلا بين اللائحتين، واعطى الناس الياس سكاف على قاعدة عائلية وزحلاوية لا على قاعدة تحالفاته مع 8 آذار. وبالتأكيد لم تعطه لتحالفه مع عون. لقد كان مرشح عون في زحلة وحيدا ويتيما مما حدا بسكاف في لحظة تجل سياسية الى اعتبار نفسه شبيها بسليمان فرنجيه في زغرتا بمعنى تمتعه بخصوصية محلية حاسمة تمنع على عون ان يعتبر نفسه زعيما اول بعد اليوم. فلا عون في زحلة من دون سكاف ولا عون في زغرتا من دون فرنجيه. ومع ذلك تجدر الاشارة الى ان انتصار سكاف في البلدية ليس صافيا من ناحية المقاعد، وليس كاسحاً من حيث الفارق في التصويت، آخذين في الاعتبار ان اللائحة الثانية اختراع مثير للريبة! هكذا قال سكاف على طريقته، أن عون انتهى زعيماً على الكل على النحو الذي جرى تصويره بعد انتخابات 2005. ويبقى امله ربما في مسعى "الحلفاء الكبار" للملمة من تفرقوا من حوله!
في بيروت تكرّس ابعاد عون عن العاصمة بشقها المسيحي. ففي ما سماه "استفتاء" بدا "التيار" هزيلاً في المستوى الاختياري واحتاج على الدوام الى "بلوك" الطاشناق الذي حال دون مسحه من بيروت. لعل نتائج الدوائر المسيحية حيث "الصوت الطاشناقي" محدود كالاشرفية حيث قلب بيروت المسيحية والصيفي تشي بأن اقامة عون خارجها سياسيا جرى تمديدها مرة جديدة!
بالامس أخرج فرنجيه مرشح عون من لائحته في الانتخابات النيابية على اساس خصوصية زعامته في زغرتا، واليوم سكاف يجدد التجربة فيحصد نتيجة مرضية، واما الطاشناق فيوزع خدماته في كل اتجاه من دون الالتزام مع عون، بحيث انه وحده يبقيه في بيروت ببضعة مخاتير هم نصف ما حازه الطاشناق نفسه.
من جبيل الى دير القمر مرورا بالمتن وبيروت وزحلة ثمة ثابتة يصعب تجاهلها، وهي ان الجنرال عون يتفكك تدريجاً، بحيث صار من الصعب الاقتناع بأن كتلة الـ27 ليست مصطنعة.
و السؤال هنا: هل يأتي يوم يدرك فيه عون ان المزاج المسيحي الحقيقي صار في واد آخر؟