الإيحاء باستبعاد وقوع حرب اسرائيلية على لبنان، سواء بسبب "الدروس" التي تلقتها تل أبيب في حرب تموز 2006، كما يقول الذين رأوا فيها نصراً، أو لأي سبب آخر، ليس صحيحاً، لا جملة ولا تفصيلا. تماماً كما حال الإيحاءات أن الحرب آتية لا ريب ولن تبقي ولن تذر.
فغياب الإجماع أو شبه الإجماع على أحد الرأيين، سواء في التحليلات السياسية أو العسكرية وسواء في الغرب أو في الشرق، لا يعني سوى أن خطر هذه الحرب قائم وواقع مع وقف التنفيذ. أو كما يقال في الفلسفة، هذه الحرب قائمة بالقوة، غائبة بالفعل.
الواقع أن اعتداء تموز 2006 وفّر لإسرائيل هدوءاً عند حدودها الشمالية لم يتوافر لها منذ اغتصابها أرض فلسطين، مما جعل من جنوب لبنان نسخة منقحة من هضبة الجولان، مع فارق أن الأخيرة هادئة تحت الاحتلال الاسرائيلي، فيما الأولى ساكنة تحت جناح قوات "اليونيفيل" والشرعية اللبنانية.
غياب الحرب هو أحد وجوه السلام. وهو وإن يكن أضعفها فإنه يوفّر للمستوطنات الاسرائيلية الاستقرار اللازم كي تمضي أيام المحتلين بلا قلق. لكن هل يكفي هذا الأمر لتغييب احتمال وقوع الحرب؟
بين الكلام على صواريخ "سكود" وإدعاء عبورها الحدود إلى أيدي مقاتلي "حزب الله"، والغبار الكثيف الذي يثيره الملف النووي الايراني فوق لبنان، مروراً بتردد الرئيس السوري بين صورته في دمشق مع نظيره الايراني محمود أحمدي نجاد والسيد حسن نصرالله، وبين صورته في اسطنبول بين أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وصولاً إلى البازار الإقليمي – الدولي – المحلي في العراق، سباق بين المخاوف من حرب اسرائيلية على لبنان، وبين الاطمئنان إلى عدم وقوعها.
يكتمل المشهد المقلق بمناورات ايران الحربية في بحر عمان ومضيق هرمز، وبمناورات اسرائيلية – أميركية جوية مشتركة، وبمعلومات الصحافة الاسرائيلية عن تزويد واشنطن تل أبيب أسلحة جديدة وقنابل ذكية ومنظومة توجيه صواريخ تعمل بالليزر.
وبمقدار ما يؤشر ذلك لمواجهة مع إيران، يذكرنا الماضي القريب بأن المنطقة في الربع الأخير من القرن الفائت كانت تجد في لبنان، وباستمرار، المتنفس لأزماتها، فكيف إذا كان الاتهام الاسرائيلي (والدولي) لـ"حزب الله" هو أن سلاحه جزء من استراتيجية إيران لحماية طموحها الاقليمي؟ وكيف والإدارة الأميركية تحضر التفاصيل والميدان لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على طهران؟ وكيف، أخيراً، وتل أبيب تصر على تضخيم القدرات القتالية لدى الحزب في ما يذكر بالتضخيم الذي أضفي على القوة العسكرية العراقية قبيل حرب الخليج، ثم خلال التحضير لاحتلال العراق.
كل هذه المؤشرات تزيد القلق اللبناني العام، خصوصاً أن تل أبيب ربطت إقدامها على الحرب بأي صاروخ يطلق من الجنوب أو من أي منطقة في لبنان، فيما كشْفُ شبكات التجسس، على كثرتها، يؤشر إلى أن لديها في الدساكر والمدن اللبنانية من قد يتولى إطلاق إشارة الحرب، حين تقرر الموعد المناسب لها، من دون أن ننسى من قد يتبرع بذلك في لحظة "نخوة قومية" مفاجئة؟
من جهته، وبرغم إشارات قياداته الواضحة إلى استبعاد الحرب، فإن "حزب الله" يعرف أنها احتمال قائم باستمرار، ولا سيما في هذه الظروف، لذا يحرص على التضامن الداخلي بأعلى صوره، ولولا ذلك لكان خاض مباشرة الكثير من المواجهات البلدية منافساً خصومه السياسيين، ولا سيما من 14 آذار، لكنه اكتفى بدعم أطراف في بعضها، والتوافق في بعضها الآخر.
هذا "الترفع" السياسي لا يكفي تبريره بالحرص على التضامن الداخلي من دون تذكر الخوف من الآتي المفاجئ، وليس بأي أمر آخر، وإلا لم غاب "التسامح" يوم 7 أيار 2008؟
التاريخ يقول إن الخطر الكبير يمحو الخلافات الصغرى، أو يجعلها تفاصيل وإن كانت كبيرة.
بين ديمتري مدفيديف الروسي في دمشق (بعد استقباله الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز) والرئيس بشار الأسد في اسطنبول، والشيخ حمد كذلك، وبين نجاد في دمشق وكذلك السيد حسن نصر الله، ويزورها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، تتسابق خطوط الحل والتعقيد في المنطقة، وتبقي لبنان في ساحة الخطر.