#adsense

حكيم الأرقام عالحل وجنرال الشعر والغل!!

حجم الخط

أطلّ بالأمس رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية في مؤتمر صحافي شديد الموضوعية والعقلانية والمنهجية والدلائل والإثباتات الإحصائية بأرقام وضعها بين يدي الشعب اللبناني وبشكل خاص الشريحة المسيحية منه، ولا غبار على عقلانية الحكيم وموضوعيته، وليس غريباً على سياسي مثله ينهج منذ العام 2005 خطى حثيثه لتكريس صورة حقيقية لرجل الدولة، أن يتعاطى بشفافية الأرقام والاحصائيات بهدوء ووعي عندما يخاطب جمهور اللبنانيين.

المفاجأة جاءت من عند الجنرال بالأمس الذي غير موعد اطلالته الأسبوعية من "الأربعا بنص الجمعة" إلى بعد ظهر الثلاثاء، والمفاجأة كانت في اكتشافنا أن الجنرال "يغار"، مرة ظنناها لحظة عابرة عندما أطلّ دولة الرئيس سعد الحريري وهو يتحدث بالإيطالية، فقفز الجنرال في اليوم نقسه إلى شاشة "الحق لا يقال"، ليخبر اللبنانيين أنه يتحدث "الفرنسية والإنكليزية" ولولا الحياء لكاد يقول العربية أيضا!!

في الأمس انتابته غيرة الشعر، على اعتبار أن "الحكيم" يتحدث العربية الفصحى بخطاب مفوه مضبوط اللغة والشكل، وفي خطابه دائما أبيات شعرية أو أقوال مأثورة مشهورة يدلل بها على رأيه… بالأمس "نط" الجنرال على الشعر، على أبي الشعر العربي "المتنبي"، "مدري مين اقترح عليه" أن يقول نصف بيت من قصيدة "طويلة عريضة للمتنبي" وهي قصيدة في المدح، فظن أنه بنصف البيت هذا "يهجي" الحكيم!!

"تفصحنت" – من فصاحة – شعرية الجنرال المفاجئة ولولا تمهل قليلاً لأدرك أنه يمدح الحكيم في موضع يظن فيه أنه يهجوه فيه، وهو مدح يليق بالحكيم خصوصا أنه يجيء بالغلط ومن الجنرال، فقد تفوه الرجل بشعر له مذاقه الخاص:

"لكل امرئ من دهره ما تعودا / وعادات سيف الدولة الطعن في العدا / ورب مريد ضره ضر نفسه / وهاد إليه الجيش أهدى وما هدى"

وقد غش الجنرال من أشار عليه باختيار قصيدة مدح قالها المتنبي في سيف الدولة وتهنئته بالعيد، وبما أن الجنرال اختار الشعر في غفلة من الزمن واللغة، فقد جرجرنا من حيث لم يقصد إلى ديوان "أبو الطيب المتنبي"، فقد "فجع اللبنانيين بالأمس بقراءته "البلطجية" لنتائح "استفتاءاته العظيمة خصوصا في بيروت، فقد طلع مع الجنرال أنه: "لم نخسر الإستفتاء في بيروت لأننا أخذنا أكثرية المجتمع المسيحي في العاصمة لكننا لا نتحدث عن الأكثرية المسيحية فقط ومن يعنيهم الموضوع بشكل مباشر أعطونا الأكثرية"، ولاحظوا استخدامه لمصطلح "الأكثرية المسيحية" كأنه ورثها عن أبيه وجده أو كأنها "شلعة معزي تسير خلف الكراز"…

الجنرال حر في هذه "الديسلاكسيا" المصاب بها، وإذ ألجأنا الجنرال إلى المتنبي فيليق بهذه النظرة إلى استفتائه واحد من أنصاف الأبيات الكثيرة التي وصلتنا عن المتنبي: "قد أفسد القول حتى أحمِدَ الصممُ"، ومن عجب ما قاله الجنرال أن "أنا أستطيع القول إن لدي 65 في المئة فليبحث عنهم"، ومن أنصاف أبيات المتنبي ينطبق على هذه الـ 65%: "والمستغِرُّ بما لديه الأحمق"!!

أما أسوأ ما قاله الجنرال النابليوني الذي بالغ في وصف ذاته حتى تجاوز جدعون، ومار مارون، ثم السيد المسيح، أن يتهم سواه بأنه طاووس، فقال: "الطاووس يزن 3 كيلوغرامات لكنه عندما ينفش ريشه يظن أن وزنه طنا إلا أنه يبقى وزنه نفسه"!!

ولا نظن الحكيم رجل البيانات والأرقام الشفافة قد يرد على هذا الإسفاف الكلامي العاجز عن مقارعة الرقم بالرقم والبيانات بالبيانات، ولكن لو أراد المتنبي الرد على الجنرال ونوباته "الطاووسية" التي يتهيأ له أن الآخرين مصابون بها، لأجابه نيابة عن الحكيم قائلا:

(أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت / وإذا نطقت فإنني الجوزاء/وإذا خفيت على الغبي فحاذر/ أن لا تراني مقلة عمياء)، أو أن يرد عليه في مدح خصمه الذي يتراجع الجنرال أمامه يوما فيوم، مهما جاء المجتمع المسيحي بتوكيلات شرعية ذمية لتمثيل مسيحيي الشرق: (إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول)…

لا أعرف ما إذا كان الجنرال قرأ ديوان المتنبي، لذا أقترح عليه أن يقرأه في واحدة من أفضل نسخه: "ديوان المتنبي ـ بشرح أبي البقاء العكبري المسمى بـ "التبيان في شرح الديوان"، ولا أعرف ما إذا كان الجنرال أيضا سامع بـ "العكبري"!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل