مع انتهاء كل جولة من جولات الاستحقاقات التي تستدعي الوقوف على رأي الناس ومزاجهم وتوجهاتهم في انتخابات حرّة ونزيهة، كالانتخابات النيابية التي جرت في حزيران من العام الماضي، والتي حلّ فيها لبنان اولاً عن طريق وزارة الداخلية، حيث نال جائزة الامم المتحدة للخدمة العامة، وهي على صدر الوزير زياد بارود، أو الانتخابات البلدية والاختيارية التي دارت حتى الآن في ثلاث محافظات كبيرة، هي جبل لبنان، وبيروت، والبقاع، كان تعويل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، والمسؤولين الآخرين في الدولة، ليس على اجراء الانتخابات في اجواء من الحرية والديموقراطية والحيادية والنزاهة فحسب، بل على اعتراف الجميع، الذين خسروا منهم والذين ربحوا، بنتائج هذه الانتخابات، لأن الاعتراف بها يؤدي حكماً الى الاعتراف بدور الدولة التي رعت هذه الانتخابات، ويؤسس الى حالة سلام وهدوء على صعيد القيادات المتنافسة، وعلى صعيد القواعد الشعبية المعنية أولاً واخيراً بالنتائج التي تفرزها الانتخابات.
في المرحلة الاولى من الانتخابات التي جرت في جبل لبنان، لم يكن اعتراف القيادات بنتائجها، منسحباً على الجميع، حيث كابر البعض، وعمد الى فلسفة خسارته وتراجعه، وأنحى باللائمة، امّا على الآخرين او على عوامل أسهب في تعدادها والاختباء وراءها، دون تقديم اي سند او مستند او واقعة تثبت ما ذهب اليه، متجاهلاً الحقيقة والواقع، في حين ان البعض اعترف بخسارته، اينما خسر، وفرح بانتصاره اينما انتصر، وهذا التصرّف يعكس تمسّك صاحبه بالديموقراطية، وبالرسائل التي يوجّهها الناس الى القيادات، بين الحين والاخر، والتي تتضمن دعماً او انذاراً او مقاطعة، وانتظر الناس ان يعدّل هذا البعض في خطابه، بعد صدور نتائج محافظتي بيروت والبقاع، فيتصرف ديموقراطياً ورياضياً وحضارياً، كما يفعل اهل الديموقراطية في الدول المتقدمة، وليس على طريقة الدول النامية، او دول العالم السابع، حيث لا يعترف الخاسر بخسارته وحسب، بل يخترع نتائج من عنديّاته ويطلقها اعلامياً لتشويه انتصار خصمه، كما حصل بالنسبة الى استفتاءي بيروت وزحلة، وكما حصل بالنسبة الى نتائج بعض قرى البقاع، حيث فبركوا تحليلات ونتائج، اقل ما يقال فيها انها حفلة اكاذيب، تم كشف بعضها سريعاً كما حصل في بلديات دير الاحمر وصغبين وسعدنايل وغيرها، وكما حصل، في محاولة اعلامية يائسة لمصادرة نتائج الاشرفية والصيفي والرميل، وحتى المدوّر حيث التأثير الكبير لاصوات الطاشناق والشيعة، بحيث استمرت وسائل اعلام التيار الوطني وحلفائه في 8 آذار يومي الاحد والاثنين على استصراح «خبراء» في الاعلام والاستطلاع لايهام اللبنانيين بوجود خرق كبير في مناطق الدائرة الاولى، ونجاح الاستفتاء نجاحاً مدوّياً، وتبين لاحقاً عدم صحة هذه المزاعم، خصوصا بعد اعلان النتائج الرسمية.
* * * *
يعتبر التيار الوطني الحر ان تدنّي نسبة الاقتراع في المناطق المسيحية، دليل على تأييد ابناء الأشرفية والصيفي والرميل للاستفتاء الذي ذهب اليه العماد ميشال عون هرباً من مواجهة ديموقراطية مع قوى 14 آذار في كل بيروت، حيث كان من واجبه، اثباتاً لقوته الشعبية، ان يشكل لائحة مع حلفائه، حزب الله وسنّة بيروت، واحزاب القومي والبعث والاحباش ومرابطو ابراهيم قليلات وغيرهم من جماعة «الخط الوطني»، ولكنه لم يفعل ولم يفعلوا لانهم وفق «القلم والورقة» اعجز من ان يواجهوا قوى 14 آذار، من هنا كان ذهاب التيار الى استفتاء المخاتير، علّ وعسى يستنهض المسيحيين بشعار تقسيم بيروت، ونجاح الاستفتاء لا يكون بفوز المخاتير البرتقاليين وحسب، بل يكون بإقبال شعبي كبير في دائرة بيروت الاولى على الاقتراع للوائح التيار، وليس بالاحجام عن المشاركة.
اما بالنسبة الى استفتاء زحله، الذي اريد له ان يكون «جسّ نبض» لقبول اهل زحلة بمحازبي التيار، او بعدم قبولهم، فهو ايضا جاء عكس ما يشتهي العماد عون، لأن الاكثرية التي قالت نعم للسيد ابو يونس مرشح التيار لم تكن مسيحية، كما كان يتمنى، بل من طائفة اخرى كريمة اقسمت ان تبقى الى جانب العماد عرفانا بالجميل لمواقفه.
يبقى ان العماد عون، الذي اعلن امس انتصاره في بعض بلدات البقاع الغربي، يعرف تماماً ان البقاع هو بوابة سوريا، وان حلفاء سوريا في لبنان، كانوا حكّام البقاع من دون منازع اثناء حكم النظام الامني في لبنان، واذا كان صحيحاً ان تيار المستقبل وحلفاءه قد تراجعوا في بعض البلدات، فذلك ليس لضعف فيهم او تراجع، بل للقبلية العائلية التي ما تزال تتحكم بالناس، ولأن حلفاء سوريا، والتيار العوني اصبحوا واحداً، وليسوا مقطوعين من شجرة، ودعمهم «واجب وطني وقومي».
آن للبعض ان يخرج من سياسة واسلوب المغفور له المرحوم احمد سعيد.