ترابط زمني بين زيارتي واشنطن ونيويورك ولكل ظروفها
الحريري لتأكيد الموقف من التهديدات والدور في حوار الثقافات
سعى لبنان قبل اشهر عدة من انتخابه عضوا غير دائم في مجلس الامن من مطلع السنة الحالية الى الاستعداد ميدانيا في نيويورك لتكون بعثته الديبلوماسية قادرة من حيث الحجم والتمثيل والحضور على تغطية كل النشاطات والاجتماعات، فجرى انتداب المزيد من الديبلوماسيين الى مقر البعثة في نيويورك وتم التعامل بالطريقة نفسها من حيث التأهيل العملي لمقرها الذي يقع قبالة مقر الامم المتحدة. والبعثة اللبنانية الدائمة لدى الامم المتحدة يتولى رئاستها السفير نواف سلام، ولا يمكنه ان يحضر جلسات او اجتماعات عدة تعقد في وقت واحد، كما حصل بالنسبة الى تولي القائمة بأعمال رئاسة البعثة كارولين زياده قبل يومين رئاسة مجلس الامن خلال الجلسة المفتوحة لمجلس الامن الذي يرأسه لبنان خلال شهر ايار عن "احاطات اللجان الفرعية" للمجلس، والتي تولت فيها زياده الرد على مندوبة اسرائيل في الجلسة. ويسعى لبنان، عبر توجّه رئيس الحكومة سعد الحريري الى نيويورك من اجل رئاسة احدى جلسات مجلس الامن، الى اعطاء بعد اخر لوجود لبنان في المجلس من جهة، ولما يمثل لبنان من جهة اخرى من خلال الموضوع الذي يطرحه على اعضاء المجلس. وقرار رئاسة الحريري لجلسة مجلس الامن في 26 ايار الجاري تبحث منذ بعض الوقت ويتم الاعداد لها، على اساس ان تمثيل لبنان لنفسه وللدول العربية في مجلس الامن امر يكتسب جدية واهمية. فهذا الثقل المعنوي الذي يضفيه ترؤس رئيس الحكومة الجلسة يتناسب بقوة مع موضوع "حوار الثقافات والامن والسلام الدوليين" الذي يتجه لبنان الى طرحه للمناقشة والمتابعة على اعضاء مجلس الامن. ويستند ذلك الى واقع ان للبنان تجربة في واقع هذا الموضوع ويعايشه يوميا بالاضافة الى انه من خارج تفاصيل المواضيع التي يتعاطاها مجلس الامن يوميا، لكن ليس من خارج اطارها او فلكها. فالفكرة التي سيطرحها لبنان تتصل على نحو وثيق بادارة التنوع في المجتمعات المتنوعة والمتعددة والتي تشكل في ذاتها مصدر غنى، في حين ان الاتجاه الى مواضيع حساسة يمكن ان يكون في غير محله ويأخذ النقاش الى مكان اخر.
اضف الى ذلك طموح لبنان الى تسليط الضوء انطلاقا من تجربته على امرين اساسيين: احدهما ان مبدأ الحوار في المجتمعات يساعد في تخفيف التوترات والنزاعات خصوصا بالنسبة الى مجتمعات متعددة تنحو احياناً الى الوقوع في مساوئ النزاعات الاهلية عند المفاصل المصيرية المهمة، فضلا عن ان تمتعه على مدى عقود بدور ريادي في ان يكون هو نفسه جسرا للحوار بين الثقافات ساهم في ردم الهوة بين الغرب والعالم الاسلامي، اذ ان دوره لا يستهان به على هذا الصعيد. وواقع الامر ان لبنان يسعى من خلال ذلك، وفق ما افادت معلومات سياسية وديبلوماسية، الى التأكيد بقوة ان الحوار على الصعيد العالمي، على اهميته، لا يستقيم على حساب الحقوق المشروعة والقانون الدولي. وهو الامر الذي ينطبق اكثر على وضع فلسطين ومأساة الفلسطينيين، بحيث ان لا حوار حقيقيا ممكنا من دون اعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة. فلبنان دافع دوما عن هذا الحق حتى في عز حربه الاهلية التي شكل الفلسطينيون جزءا منها، ولا يزال يحمل لواء الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وعن مدينة القدس كرمز للقاء بين الاديان والثقافات لا يمكن ان تعود الى دورها إلا متى رفع عنها الاحتلال الاسرائيلي في شكل اساسي ورئيسي. والدعوة في هذا الاطار لا تعني في أي حال تجاهل حقوق الفلسطينيين وتجاهل الدفاع عنها بقوة من اجل استرجاعها، بل على العكس من ذلك باعتبار ان الحوار يجب الا يفهم في اي حال في غير اطاره وفق ما يمكن ان يسعى البعض الى توظيف الدعوة اليه على صعيد تفعليه بين الثقافات وان ذلك يمكن ان يعني تجاوز الحقوق المشروعة للعرب.
ومع ان لا ترابط بين الزيارة التي يقوم بها الحريري لنيويورك والزيارة التي تسبقها لواشنطن، وان تزامنتا، وتم ترتيب الثانية لتتوافق قبل يومين في موعدها مع الزيارة لنيويورك من ضمن زيارة واحدة للولايات المتحدة، فان زيارة واشنطن في هذا التوقيت تكتسب اهمية بعد انتخابات بلدية واختيارية اثبتت قدرة لبنان على التزام اجراء استحقاقاته في مواعيدها. وتكمن اهميتها أيضاً في انها تخرج لبنان من زواريب الاحياء والمناطق للعودة الى ما يجري اقليميا في كل الاتجاهات. فضلا عن ان الزيارة تأتي بعد جولة لرئيس الحكومة بدأت على اثر انطلاق عمل الحكومة، فور تأليفها، بزيارة تاريخية لسوريا وضعت المبادئ الاساسية لعلاقة جديدة مختلفة يتم ترتيب قواعدها في مراجعة الاتفاقات الثنائية، قبل ان تتوج بزيارة عمل ينتظر ان تتحدد بعد الانتهاء من المراجعة. وشملت الجولة عددا كبيرا من الدول العربية والاوروبية حتى الان. وهي تأتي، ولو انها مقررة من حيث المبدأ منذ زمن غير قصير، بعد الالتباس او التحفظ الذي ابدته العاصمة الاميركية ازاء مواقف اخيرة اعلنها الرئيس الحريري ولم تلق صدى ايجابيا لدى المسؤولين الاميركيين، اذ بدت تحمل اعتراضا قويا على السياسة الاميركية لم يتحمله الاميركيون. وتاليا فان الزيارة ستكون مناسبة للدفاع عن وجهة نظر لبنان وابرازها وتأكيد الموقف اللبناني من التهديدات الاسرائيلية. وهي تأتي غداة تطورات اقليمية دقيقة جدا في مقدمها المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والاسرائيليين برعاية اميركية يرغب لبنان، شأنه شأن كل دول المنطقة المهتمة، في معرفة طبيعة الامور في المنطقة، علما ان للزيارة طابعها الرسمي العملي إذ يرافق الحريري مجموعة من الوزراء المعنيين بملفات ذات صلة بالعلاقة بين الولايات المتحدة ولبنان كوزيري الدفاع والمال.