حفلت بعض المناطق ذات الغالبية المسيحية بحملات سياسية تحت عنوان "حافظ على ارضك" في اشارة الى حصول متغيرات ديموغرافية تحتم التخوف من "الانتشار الاسلامي"، وهي التهمة التي انطلت على بعض السذج واخذ بها البعض الاخر من غير ان يعملوا حسابا للمصطلح الحسابي – المادي القائم على قاعدة العرض والطلب.
والذين تابعوا الحوار التلفزيوني اول امس بين النائب الكتائبي ايلي ماروني والمسؤول في التيار الوطني (قطاع بيروت) موريس صحناوي لابد وانهم لاحظوا الدوران حول هذا الموضوع لاسيما ان صحناوي قال بصريح العبارة ان موظفا بمستوى مدير بنك لم يعد قادرا على ان يشتري منزلا له في منطقة الاشرفية، بعد الارتفاع المذهل في اسعار العقارات جراء "الهجمة الخليجية على البناء والاستثمار في تلك المنطقة" الامر الذي ادى الى ارتفاعات قياسية في الاسعار!
مشكورة لهذا السياسي الفذ وجهة نظره المتقدمة، ليس اول من نادى بمثل هكذا تخويف، بل لانه تجاهل وجهة نظر قائده وملهمه السياسي رئيس التيار الوطني النائب ميشال عون الذي اجتهد بدوره في الاتجاه المعاكس عندما سئل عن رأيه في الاجتياح الشيعي لمنطقتي الحدث – بعبدا حيث بلغت الاسعار ذورتها.
فقال عون "لم اسمع مرة ان احدا قد ضرب مالكا مسيحيا على يده لاجباره على بيع عقاره". وزاد عون "ان الذين تخلوا عن املاكهم من مسيحيي الضاحية الجنوبية" وهو من بينهم "لم يكونوا ينتظرون ان يصبح سعر متر الارض هناك في حدود الف دولار".
وهذا التبرير الضارب في الضحل الوطني ربما هو من لم يعد يؤمن موطئ قدم لمكتب التيار العوني في مسقط رأس عون (حارة حريك) ما جعله يختار بلدة الحدث ليقيم مركزا له فيها، من غير ان يضمن ما اذا كان سيبقى في الحدث في حال تضاعفت الاسعار وجاء من يدفع له اكثر بكثير مما سبق له ان اشترى عقاره هناك؟!
هذه الرواية – المأساة لم تنطل على العونيين وحدهم بقدر ما تحولت الى كذبة فاضحة وان خالفت في بعض مضامينها وجهة نظر ميشال عون الذي لا يبدو في وارد تغيير اجتهاده بالنسبة الى متغيرات الضاحية الجنوبية، فيما تثيره بيوعات منطقة الاشرفية وبعض مناطق البقاع، اقله لانها تحك على جرح اجتهاده الفلسفي – الاقتصادي الذي يجافي الواقع الوطني باشواط!
وطالما ان الملياردير موريس صحناوي قد قبض اجتهاد المناهضة السياسية لخصوم التيار الوطني على اساس عمليات البيع والشراء في منطقة الاشرفية، يصبح من الضروري سؤال رئيس التيار عما اذا كانت له وجهة نظر مختلفة بالنسبة الى تقلب الاسعار في منطقة الاشرفية، وهل يتوقع عون صراحة ان يؤنب القيادي البيروتي المقرب منه على هفوته ويسأله "هل ضربه احد على يده كي يتخلى عن الالاف المؤلفة من الامتار"؟ او يسأله "هل هو في وارد توظيف فائضه المالي في شراء عقارات وابنية في الشطر المقابل من العاصمة (…) او من الضاحية الجنوبية لنعرف نحن وليعرف هو مدى قناعة صحناوي بقاعدة العرض والطلب وهل انه يفضل عليها نظرته الوطنية والديموغرافية الى الامور الخلافية في البلد؟!
والسؤال المطروح: هل يجوز ان يكون خوف في بيروت والا يكون خوف مماثل في غير العاصمة؟ فضلا عن استنتاج آخر مفاده ان قاعدة العرض والطلب السائدة علميا اسلم عاقبة من تصرف عون بالاتجاه المعاكس؟!
هذا السؤال سبق طرحه على قادة من الطائفة الشيعية بعد انتشار اخبار "البيع والشراء" في مناطق جنوبية حساسة. لكن احدا من هؤلاء لم يتطرق الى الخطر الديموغرافي بل عض على جرح الحاجة الانسانية الى ما يسمح بتحسين الاحوال. وهو جواب قد يرضي البعض لكنه يظل غير مقنع بالنسبة الى كثيرين من الشيعة وغير الشيعة، بدليل ان التغيير الديموغرافي لا يستقيم فقط جراء تحول الملكية من اسم الى آخر، خصوصا ان ما يخيف اللبناني عموما هو انعدام دور السلطة في تحديد ماهية النظام في البلد؟!