كانت سوريا بشار الأسد عام 2005 في حاجة ماسّة إلى العماد ميشال عون والى الشعبية المسيحية الواسعة جداً التي حصل عليها رغم معرفتها ان اكتساب هذه الشعبية كان سببه الرئيسي عداؤه لها ولسياستها اللبنانية ولمسّها الثوابت اللبنانية ولإمعانها في "تشقيف" المسيحيين الذين شكلوا "لمدة طويلة" جبهة الممانعة الأساسية ضدها. والدافع الى الحاجة المذكورة وقوف غالبية لبنانية مسيحية – اسلامية ضدها، ومساندة المجتمع الدولي ومعه المجتمع العربي مطالبة اللبنانيين باخراج جيوشها من بلادهم، وبرفع وصايتها عنهم، ووقوعها في عزلة كادت ان تكون شاملة، وادراكها انها في حاجة الى وقت لاستيعاب ما جرى وخصوصاً في 26 نيسان 2005 ولوضع سياسة ازالة آثاره اللبنانية والخارجية. ولذلك، يقول متابعون ومن زمان للسياسة اللبنانية لسوريا الأسد نصحت حلفاءها في لبنان، وبعضهم كان لا يزال في مواقع سلطوية بالتغاضي عن "الاساءات" السابقة "للجنرال"، وبفتح الطريق أمام عودته الى لبنان وبتقديم كل المغريات له بغية "فكِّه" عما سمي في حينه 14 آذار واستيعابه، وإن تدريجاً وعلى نحو غير مباشر، داخل 8 آذار المحلي والاقليمي. وكان تنفيذ "النصيحة" سهلاً لأن فريق 14 آذار كان غارقاً في نشوة الانتصار وفي الاقتناع بأن التغيير الدولي – الاقليمي الذي حصل لمصلحته سيستمر ناسياً تجارب لبنان السابقة مع الخارج والصفقات التي اجريت على حسابه. وكان سهلاً ايضاً لأن "طبع القائد" الأوحد عند عون ما كان يمكن الا ان يدفعه الى التفاهم مع اعداء الأمس لرغبته في أن يتولى زمام قيادة الفريق المناوئ لـ14 آذار أي 8 آذار أو على الأقل قيادة مسيحييه ومعهم مسيحيوه هو وكذلك مسيحيي أخصامه.
ومن يعيد التدقيق في مجريات المرحلة الممتدة من الانتخابات النيابية عام 2005 حتى اليوم، يلفت المتابعون المشار اليهم اعلاه، يلمس ان ما فعلته سوريا في لبنان بعد خروجها منه بغية ازالة الاهانة التي لحقت بها فيه عام 2005 قد تحقق في معظمه تقريباً. اذ تحول "الجنرال" رقماً صعباً جداً على الصعيد المسيحي ولاحقاً على الصعيد الوطني بعد "تفاهمه" مع "حزب الله". وعلى الصعيد السوري صار هو رمز المسيحية العربية المعتدلة في لبنان والمنفتحة على سوريا والقابلة بدورها اللبناني والمُغطِّية معظم سياساتها والمواقف. وقد ساهم ذلك مع حرب الـ2006 التي حقق بها "حزب الله" نصراً مهماً، ومع تحول 8 آذار المحلية والاقليمية الى الهجوم بعدما كان في الدفاع، وبعد نجاحه في قلب الميزان الداخلي لمصلحته انطلاقاً من "عملية 7 أيار" 2008 واتفاق الدوحة الذي "شرعن" نتائجها – ساهم ذلك كله في وضع لبنان على سكة التحول الفعلي وإن غير الرسمي صيغة ودوراً وحكماً، وفي اعادة سوريا الى سكة الوصاية على لبنان ولكن بأسلوب جديد. وما كان ذلك ممكناً لو لم يحصل تحول جدي ايجابي حيال سوريا من المجتمع الدولي ساهم فيه كثيراً التقاء المصالح بينها وبين اعدائها المزمنين والمتنوعين.
هل هذه المرحلة الموصوفة أعلاه لا تزال مستمرة؟
المتابعون أنفسهم، ومن زمان، للسياسة اللبنانية لسوريا الأسد ولأهدافها وللخطة التطبيقية لها، يعتقدون انها وبعد نجاحاتها النهائية أو شبه النهائية في لبنان صارت في حاجة الى ادخال تعديلات على خطتها فيه وذلك بغية اقامة وضع داخلي غير قابل للانقلاب عليها كما حصل عام 2005 وايضاً بغية الحؤول دون الافساح في المجال أمام أي جهة خارجية حليفة أو لا مقررة في لبنان. من أهم التعديلات اخراج الجماعات المسيحية الحليفة لها من تحت جناح "الجنرال" عون مع استمرار التنسيق معه بمعرفتها. ومن أهمها أيضاً عدم السماح بقيام "بلوك" مسيحي كبير موحد رغم تنوعه الداخلي وخصوصاً بزعامة عون، لأنها تعرف شخصيته وأطباعه ولأنها لا تريد ان تعرض نفسها من جديد "لمقاومة" مسيحية موحدة لها لا أحد يستطيع ان يجزم باستحالتها. وانطلاقاً من التطور الثاني هذا، يلفت المتابعون انفسهم، لا بد ان يجري تطويق من لا يزالون ممانعين من المسيحيين بغية شل قدرتهم. ومن اهمها ثالثاً عدم السماح بقيام "بلوك" موحد وطني متنوع قادر على تهديد طموحاتها اللبنانية وبتوافر دعم خارجي له، وقد يكون من أهمها رابعاً قيام سوريا بتعزيز حلفائها الاكثر ولاء لها، أولاً لتلافي ذوبانهم وثانياً للافادة منهم في المواجهة اذا فرضت يوماً. ومن أهمها خامساً ان الحليف الأساسي لعون داخلياً لا يستطيع احتمال حجمه "المنتفخ أو المنفوخ" الى ما لانهاية. فهو حقق الكثير من أهدافه بواسطته. وهو يعمل عليه لكي يصير جزءاً منه عملياً وليس رسمياً. ولن ينجح في ذلك اذا بقي على ضخامة حجمه.
هل هذه الاعتبارات والتحليلات في محلها؟
يجيب كثيرون بأنها تدل على "عقل تآمري" اشتهر به اللبنانيون. علماً اننا لا نمتلك عقلاً كهذا. وقد يكون ذلك صحيحاً. لكنه لا يعني أبداً عدم ضرورة التدقيق فيها وبجدية لأنها قامت على تجارب ماضية وعلى منهج لا يزال مستمراً ومعه سياسات. مع الاشارة الى ان الفيصل في هذا الأمر هو المستقبل.