أشرفية… الكلام قليلُ
بيدرو غانم
ما اجتمع الكون برُمته يوماً إلاّ لأجلكِ: أباطرة، حكّام أنظمة، رؤساء شعوبٍ، مراكز قرارٍ في حيرةٍ دائمة عن هالةِ كيانكِ. أنتِ يا أشرفية يا صخرةً تكسّرت عليها مؤامرات دهاليزٍ قامته، وتمزّقت على سياج ربوعكِ أيادي غزاة يسكبون غيظهم في كؤوس الحروب الحاقدة.
يا أشرفية يا أسطورة البطولة المتلألئة في سماء التاريخ، يا حبيبة الناصريّ ودار البتول حيثُ الزائر حجٌّ في ربوع القداسة. توهّموا اليُسر في اللعب على أوتاركِ بُغية قطعِ أوصالها. ما أسخف رؤوسهم، وبأس طموحهم الثمل من خمور فاسدة. أما نسييوا أن أصابعاً من قبلهم أُخنِقت وتفتّت في ذلك الزمان المجيد، في تلك الأيام المئة التي اختصرت تاريخ النصارى، تاريخ الجّراجمة الأبطال في جبال الأرز، تاريخ الأرمن الأحرار، شهداءً عنّا وشهداء لنا و لبني البشر، تاريخ روما مزوّد المسيحيين وكفن قيامتهم، تاريخ القسطنطينية، تاج بيزنطي مُرصّع بألماس الحقّ على رؤوس أبنائها.
يا أشرفية يا أيتها الناصريّة يا ناصرةً للحياة،. قلت كلِمتك اليوم كما دوماً كلمة تُفّرِزُ حروف النصر على ألسنةِ قائليها. من بعدها تصغرُ كلمة الشكرِ خجلاً وتتقدم نحوكِ بإحساسٍ فقدان القيمة والرهبة.
أنت الكلمة، وأول الكلام في كتاب الكرامة، وكل الكلام في مخطوطات روايات الانتصارات المستحيلة.
يستأذن الدُجى منك من أجل أن يطلع على قطاع الكون، وليتعلم منك سرّ النور. يا أشرفية يا وفيّة الأوفياء: شكراً، وأهلاً بك كما دوماً عريناً لجنود الحقّ الأشاوس. لقد أفقدتهم ما تبقّى لهم من عقلٍ واتّزان، هم من باعوا الأوطان بأبخس الأثمان، هم من بحروبهم التحريرية الواهمة حرروا الذلّ والهوان من قيوّدها، ومن بحروبهم الألغائية ألغوا منطق الأخّوة ورابط الدمّ.
وأنت من لقّنتهم دروساً وعبراً موجعة، وجعُ ضميِر الثلاثين من الفضة ووجع الناكَر حتى صياح الديك.
مع أنّ الشكر قليلٌ عليك ولأنّ الكلام لا يكفيكِ. شكراً يا أشرفية.
كلمة واحدة، فالكلام قليلٌ.