لأن تحقيق السلام قد يكون معجزة وإشعال الحرب مغامرة
الأشهر الأربعة المقبلة اختبار لنيات كل الأطراف
قال وزير العدل ابرهيم نجار في حديث صحافي كان قد ادلى به ردا على سؤال حول تصوره للوضع في المنطقة: "اعتقد جازما انها مرحلة من المراحل التي تؤسس لانفجار كبير في المنطقة او لسلام عجائبي، وعلينا ان نكون جاهزين في كل لحظة وان نتنبه ونتوخّى الحذر الشديد".
الواقع ان التحرك العربي والاقليمي والدولي، وخصوصاً التحرك الاميركي الذي يقوده المبعوث جورج ميتشل والتحرّك الروسي من خلال اول زيارة يقوم بها رئيس روسي لدمشق، يهدف الى القيام بسعي جاد لتحقيق السلام الشامل، لان البديل منه قد يكون الانفجار ولان "الستاتيكو" القائم لن يصمد طويلا.
وفي معلومات مصادر ديبلوماسية ان القائمين بهذا التحرك الواسع ابلغوا اسرائيل انها ستتحمل العواقب اذا كانت هي البادئة باطلاق الرصاصة الاولى التي تشعل الحرب في المنطقة، وان مجلس الامن سوف يتحرك عندئذ بسرعة ليفرض السلام على كل الاطراف قبل ان يصبح الامن القومي لدول العالم في خطر، خصوصاً ما دامت اسرائيل لا تتعرض من اي طرف لأي عدوان او تحرش قد تتخذ منه ذريعة للرد دفاعاً عن النفس، كما أبلغوا الدول العربية والاقليمية انها ستتحمل عواقب اي عدوان تكون هي البادئة به على اسرائيل لانه يصبح من حق اسرائيل ان ترد بكل ما تملك من اسلحة.
ومعلوم ان خطر اطلاق اول رصاصة تشعل الحرب في المنطقة يكون مصدرها اسرائيل او لبنان او سوريا او ايران. وقد اكدت سوريا لمن يعنيهم الامر انها لن تكون البادئة في إشعال الحرب ضد اسرائيل لكنها سترد بقوة دفاعاً عن نفسها اذا اعتدت عليها اسرائيل بدون سبب ولا مبرر، وتعهدت ان أيا من التنظيمات الفلسطينية الموجودة على ارضها ولا "حزب الله" ستكون سببا لاشعال حرب في المنطقة او تحريك الجبهة السورية مع اسرائيل، واثبتت مدى سنوات التزامها وقف اطلاق النار على هذه الجبهة منذ توقيعها اتفاق فك الاشتباك رغم ان اسرائيل ضربت غير مرة العمق السوري ولم ترد سوريا.
وأكد لبنان بدوره انه لن يعطي اي ذريعة لاسرائيل كي تعتدي على لبنان ويكون هذا الاعتداء سببا لاشعال حرب شاملة في المنطقة، وهو متفاهم مع "حزب الله" على ذلك كونه يعلم ان حربا جديدة على لبنان يكون هو من اشعلها تجعل الوحدة اللبنانية الداخلية تتصدع وتكون اسرائيل هي المستفيدة من ذلك وتعمل بشتى الوسائل على اثارة فتنة داخلية وحرب اهلية في لبنان الذي سيواجه اي عدوان اسرائيلي بوحدة داخلية قوية ومتماسكة اذا كانت هي البادئة به.
ثم ان لا مصلحة لايران في ان تبادر الى الحرب ضد اسرائيل لانها تجعل دول الغرب تقف ضدها وتحمّلها مسؤولية ذلك، بل ان مصلحتها هي في استمرار الوضع الراهن الذي يجعلها تواصل العمل على تنفيذ برنامجها النووي ومدّ نفوذها في المنطقة ولا سيما نحو دول الخليج.
وتعتبر المصادر نفسها ان مهلة الاربعة اشهر المحددة للمفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية كافية لكشف حقيقة النيات حيال التقدم نحو السلام الشامل في المنطقة والعمل خلال هذه المهلة على حماية هذه المفاوضات من اي انتكاسة تعيد الوضع في المنطقة ليس الى دائرة التهديدات المتبادلة بل الى دائرة الدخول في حرب محتومة.
وإذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية وافقت على معاودة المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل فإظهارا منها لحسن النية واعتمادا على ضمانات او تطمينات اميركية حتى اذا ما أخلّت بها اسرائيل فإن الخلاف يتجدد عندئذ بينهما وتكون له نتائج سلبية على العلاقات التاريخية الاميركية – الاسرائيلية، ويصبح الرأي العام الاميركي مع اي اجراء او تدبير تتخذه ادارة الرئيس اوباما لمنع نشوب حرب مدمرة في المنطقة والسير باندفاع نحو السلام الشامل فيها.
والسؤال المطروح الآن هو: هل تفي اسرائيل بوعودها للولايات المتحدة الاميركية فتمضي في مفاوضات السلام غير المباشرة تمهيداً لان تصبح مباشرة وتتجاوب بدون خداع وخلفيات مع حل الدولتين كأساس للتسوية حتى اذا ما نجحت ادارة الرئيس اوباما في اعتماد هذا الحل كمنطلق لتحقيق سلام شامل في المنطقة تكون قد كسبت صداقة العالم العربي والاسلامي، ويصبح عندئذ في الامكان تنفيذ مشاريع انمائية للنهوض بمستوى حياة شعوب المنطقة، ولا يعود ثمة مبرر لوجود اسلحة دمار شامل ولا الدخول في سباق التسلح ولا لوجود تنظيمات ومجموعات تمارس اعمال العنف والارهاب او تحمل السلاح بحجة تحرير الاراضي المحتلة؟ وهل تساهم سوريا وايران في تحقيق المصالح الفلسطينية – الفلسطينية، فلا تظل تنظيمات توافق على التفاوض مع اسرائيل وتنظيمات تعارض لانها ترى في المقاومة سبيلا وحيدا للتحرير، وان تتجاوب هاتان الدولتان مع الرغبة الروسية من اجل ادخال المنطقة مرحلة السلام وليس مرحلة الحرب المدمرة للجميع؟
إن الاشهر الاربعة المقبلة هي اشهر اختبار لنيات كل الاطراف المعنيين ولا سيما منهم اسرائيل التي تحاول منذ اكثر من ستين سنة الهرب من السلام لانها لا تريد دفع ثمنه من كيسها بل من كيس العرب الذين لا يطلبون استعادة اراضيهم المحتلة تنفيذا لقرارات مجلس الامن ولمبادئ مؤتمر مدريد، كما ان الاشهر الاربعة ستكون امتحاناً لقدرة ادارة الرئيس اوباما في التأثير على حكومة نتنياهو المتشددة ومدى جديتها في تحقيق سلام شامل يبدأ بحل الدولتين. وبعد مرور هذه الاشهر الاربعة يصبح عامل الوقت لمصلحة اسرائيل اذ ان الادارة الاميركية يبدأ انشغالها بالانتخابات مع اقتراب ولاية الرئيس اوباما من نهايتها، ولا يبقى بديل من فشل المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية سوى العودة الى مجلس الامن الذي يتخذ القرارات التي تضمن تحقيق السلام الشامل وتمنع الحرب من دون ان تواجه هذه القرارات بأي "فيتو".