تقييد السياسة الخارجية موضع شك بين دمشق وحلفائها
زيارة الحريري لواشنطن اختبار لردّ الفعل السوري
زار لبنان امس في اطار جولة شملت سوريا واسرائيل، وزير خارجية اسبانيا ميغيل انخيل موراتينوس بنية اقناع الدول الثلاث بالمشاركة في قمة "الاتحاد من اجل المتوسط" التي ستعقد في برشلونة في السابع من الشهر المقبل، والتي تعتقد دول غربية ان لبنان قد يضطر الى مقاطعتها اذا قاطعتها سوريا، بمعنى ان الامر يشكل ضغطا معنويا وماديا عليه.
السؤال الذي يثيره المتابعون في هذا الاطار مبني على موقف اتخذه لبنان ولم تتم الاضاءة عليه في اجتماع اللجنة العربية لمتابعة عملية السلام التي التأمت في القاهرة، واعطت الضوء الاخضر مجددا للسلطة الفلسطينية من اجل الانطلاق في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل لمدة اربعة اشهر. اذ فيما ذهبت غالبية الدول العربية الى تأييد المفاوضات غير المباشرة خرج مندوب سوريا وممثلها لدى الجامعة العربية ليشن حملة على تأمين الغطاء العربي لهذه المفاوضات، قائلا ان هناك دولا اخرى غير سوريا تعترض على ذلك، معددا في مقدمها لبنان. ولم يعلق احد من المسؤولين سلبا او ايجابا على الموضوع، بل تركوه يمر مرور الكرام، في حين اتصل وزير الخارجية الذي كان مشاركا في اللقاء برئيس الجمهورية واطلعه على ظروف تصويت لبنان ضد قرار الموافقة على انطلاق المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية غير المباشرة، مبررا هذا التصويت بأن اللجنة المعنية ليس من صلاحيتها من حيث المبدأ توفير الغطاء السياسي العربي لمثل هذا القرار، ومهمتها تنحصر في تقويم مبادرة السلام العربية وما يتصل بها حصرا. وبغض النظر عن صحة التصويت او عدمه، ففي مسألة ينقسم حولها العرب وفق ما هو حاصل في الاعوام الاخيرة، حاول لبنان عدم الانحياز الى جانب اي محور ضد الآخر، في حين برز الموقف الاخير الذي اعلنه مندوب سوريا لافتا الى حد بعيد، ولو لم يتم التعليق عليه. لكن بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين خارجيين فإن الامر يتم التوقف عنده كمؤشر ينبغي متابعته.
هل يتعرض لبنان لضغوط في سياسته الخارجية من اجل ان تتطابق مع السياسة السورية؟
على رغم ان لبنان الرسمي وغير الرسمي يراعيان الى حد بعيد موقف سوريا من المسائل الخارجية حتى في زمن الخلاف معها فان الكثير من محاولات تقييد السياسة الخارجية للبنان خصوصا تلك التي يعبر عنها رئيس الجمهورية ميشال سليمان او تلك التي يعبر عنها رئيس الحكومة سعد الحريري يقوم بها حلفاء سوريا في لبنان بالنيابة عنها في الدرجة الاولى، واظهارا او سعيا الى اظهار اعادة لبنان الى الوصاية السياسية السورية في شكل او آخر. ولذلك تتم متابعة الزيارة المرتقبة للرئيس الحريري لواشنطن في 24 من الجاري، وما اذا كانت هذه الزيارة ستستدرج محاولات لتطويقها والتضييق عليها مسبقا ولاحقا ايضا كما حصل مع رئيس الجمهورية في الحملة التي شنها عليه حلفاء سوريا والتي وضعت في اطار زيارته لواشنطن بمقدار ما وضعت في اطار دعوته الى طاولة الحوار للبحث في مصير سلاح "حزب الله" في ما يسمى الاستراتيجية الدفاعية في اعقاب القمة الايرانية – السورية، والتي ضمت ايضا الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله وابرزت المقاومة خيارا وحيدا للمرحلة المقبلة. ومعلوم ان بعض المقدمات الاعلامية لزيارة الحريري اوحت ان ثمة نية لاعتماد الاسلوب نفسه في وقت ضيق فيه الكونغرس الاميركي على انفتاح الادارة الاميركية على سوريا وعلى تعيين سفير جديد لديها.
واستنادا الى مصادر معنية متابعة، فان الامر موضوع متابعة وترقب حول ما اذا كان سيتم اللجوء الى الاسلوب نفسه الذي اعتمد مع سليمان، او ذلك الذي كان يعتمد ازاء اي زيارة يقوم بها الرئيس رفيق الحريري خصوصا متى كانت الزيارة للولايات المتحدة الاميركية. غير ان بعض الاوساط الاخرى يعتقد ان سوريا لن تخاطر مجددا في اتاحة المجال امام حلفائها لينسبوا اليها على نحو مباشر او غير مباشر حملة ضد الحريري لزيارته واشنطن، اذ انها تعطي بذلك صقور الكونغرس ورقة اضافية من اجل التشدد في موقفهم، وتفقد الادارة الاميركية اوراق ضغط من اجل تأمين الموافقة على تعيين السفير الاميركي الجديد في دمشق. ويعزى السبب في هذا التضارب او التناقض في الرأي حول الموضوع الى اعتقاد لدى المتابعين انفسهم ان سوريا تعطي مؤشرات متناقضة جدا بين ان تكون قد بدأت مرحلة جديدة من العلاقات مع لبنان مبنية على اتصالات مباشرة لا يخفي المسؤولون اللبنانيون القيام بها على نحو شبه دوري، والبعض يقول شبـــــه يومي بالمسؤولين السوريين، بحيــث ان كل شيء تتــم مناقشتــه صراحــــة، وبين ان يتيح ما ينقل عن المسؤولين السوريين وتبني رأيهم من حلفاء سياسيين لهــــم في لبــــنان التعبيــــر عن انزعــاج وضيق يتم فيه اثارة توتــــرات داخليــــة على مستويات عدة. ومع ان هناك الكثير من الحسابات اللبنانية الداخلية تدخل ايضا في محطات مماثلة الا ان تناغم الحملات وتناسقها فضلا عن التجربة اللبنانية مع سوريا تبقي الامور في موضع الشك الدائم في انها تغطي تطورات معينة لاهداف تتصل بها على نحو مباشر.