كتب وسام سعادة في "المستقبل": لم تنفع المعطيات الميدانية والأرقام الإنتخابية في دفع العماد ميشال عون للإعتراف، ولو مواربة، بتراجع متواصل في شعبية تيّاره أو بتراجع تيّاره كحالة تنظيميّة وتعبويّة على الساحة المسيحيّة. يعود ذلك بالطبع إلى باع طويل في المكابرة على الوقائع. ويعود أيضاً إلى أنّ "تسونامي 2005 العونيّ" لم يطح به "تسونامي من نوع آخر" على الساحة المسيحيّة، وإنّما نزيف بات يمتدّ أربعة أعوام إلى الوراء.
في البدء، كانت حركة "التراجع" بطيئة. أخطأ أخصام عون يومها عندما عمّموا نغمة "شعبيّة عون إلى تراجع" قبل أن يتأكّد التراجع المنهجيّ، والحقيقيّ، والشامل. أدّى ذلك إلى إسناد هذه الشعبية لمدّة من الزّمن، عبر إظهارها مهدّدة من قبل "تركيبات" سياسيّة تحاول أن تسحب من الشارع المسيحيّ إجماعه العفويّ على الظاهرة العونية في إنتخابات 2005، وبالتالي تريد أن تسلب هذا الشارع عنصر قوّته الرئيسيّ في التوازنات اللبنانيّة.
ارتكزت شعبيّة عون تاريخيّاً على توتّر مسيحيّ مزمن معترض أو مكتئب من "إتفاق الطائف". وعلى هذا الأساس بالتحديد استطاعت هذه الظاهرة أن تمرّر توقيعها لـ"تفاهم مار مخايل" مع "حزب الله" في 6 شباط 2006، مباشرة بعد حادثة الممثلية الدانماركية في الأشرفيّة. جرى التسويق لهذا "التفاهم" على أنّه "بداية الخروج من الطائف". لم يكن "التفاهم" شعبيّاً بحدّ ذاته في الوسط المسيحيّ في أيّ يوم، لكنّ التوتّر المسيحيّ المزمن ضدّ "إتفاق الطائف" كفل للعماد ميشال عون الحفاظ على أكثريّته الشعبيّة يومها، مع إتجاه تراجعيّ بطيء لا يدعو إلى القلق.
وعلى هذا الأساس بالتحديد، كان يمكن القول بعد "حرب تمّوز" ان "تفاهم مار مخايل" حمى المقاومة، وأنّ هذه الحرب لم تؤدّ إلى تراجع منهجيّ في شعبيّة الحالة العونيّة، بل انّ مظاهر "افتتان بسلاح حزب الله" صارت ملحوظة على الساحة المسيحيّة. صحيحٌ أنّ العماد عون أصرّ في عزّ حرب تمّوز على أنّ "التفاهم" ليس "تحالفاً" بل في أحسن الأحوال "معاهدة عدم إعتداء". إلا أنّ "التفاهم" عاد وكرّسه شريكاً في يوم النصر.
وكل هذا لم يؤمّن التراجع المنهجيّ للظاهرة العونيّة، والذي كان ينتظره مسيحيّو 14 آذار. لم يبدأ التراجع المنهجيّ الحقيقيّ إلا يوم نصبت الخيم في وسط بيروت. من يومها، تنامى التشكيك المسيحيّ بواقعيّة عبارة "المجتمع المدنيّ" الواردة في "تفاهم مار مخايل". أمّا معزوفة "تحالف الأقليّات" التي بدأ الترويج لها بعد حرب تمّوز بشكل منظّم، فلم تأت بالثمار المرجوّة: استطاعت أن تقنع المسيحيين بـ"تعدّد مصادر الخطر" الذي يتهدّدهم، لكنها لم تستطع أن تقنعهم بأن "تفاهم مار مخايل" هو واحد من مصادر هذا الخطر.
كان الأمر بحاجة إلى "7 أيّار" لخلق إنقلاب حقيقيّ في الوعي المسيحيّ اللبنانيّ. فإذا كان من الممكن، إلى حد ما، التسويق مسيحياً، لفكرة أن "تفاهم مار مخايل" "حمى المقاومة"، وأنّه من مصلحة المسيحيين أن يكونوا "شركاء" في نصر آب 2006، فإن محاولة التسويق مسيحياً لفكرة أن هذا "التفاهم" حمى المسيحيين يوم 7 أيّار، كانت سحراً انقلب على من أطلقه، كونها فكرة تقول في الأساس شيئاً ونقيضه. تقول ان المسيحيين "شركاء" في 7 أيّار كما كانوا شركاء في نصر 2006، وتقول انّ 7 أيّار حمى المسيحيين.. من 7 أيار.
يتبيّن بعد سنتين من تاريخه كم كان أثر هذا اليوم عميقاً في الوعي المسيحيّ اللبنانيّ بشكل عام، وفي السلوك الإنتخابيّ المسيحيّ بشكل خاص. قبل ذلك اليوم كان كثيرون من المسيحيين يقولون ان الغاية تبرّر الوسيلة، أو ان مصادر الخطر على المسيحيين متعدّدة ولا ينبغي المبالغة في خطر بعينه، وكان ثمّة من يحاول الإستماع إلى النسخة الجديدة من نظرية "تحالف الأقليّات"، أي النسخة المطروحة من قبل أيديولوجيّة دينية لا تسامحيّة بإمتياز، ومعادية للغرب.
بعد ذلك اليوم، صار المسيحيّون يدركون أكثر وأكثر، أنّ ثمّة مشروعاً هيمنياً فئوياً يطرح نفسه في هذا البلد، وصاروا يدركون أنّهم المعنيون سواء بتمكين هذا المشروع من بلوغ مراميه ان اتبعوه، أو في حمل هذا المشروع للعدول شيئاً فشيئاً عن نزعته الهيمنيّة.
قبل ذلك اليوم، كان مسيحيو 14 آذار يتهمون بـ"التبعية" لمسلمي 14 آذار. بعد ذلك اليوم تبدّلت التهمة، وما عادت تنطلي على احد يوم تبدّلت.
والأهمّ من كل ذلك، أنّه عشية إنتخابات 2009 أمّنت "14 آذار" بتبنيها لشعار "المناصفة" الإسلامية المسيحية "الدائمة" خروج المسيحيين من توتّرهم المزمن تجاه إتفاق الطائف. فـ"الطائف" على أساس "المناصفة" مغاير تماماً لـ"الطائف" على أساس الإنتقال من "هيمنة" إلى أخرى، ومن "إمتيازات" إلى أخرى.
كل هذا بدّل المشهد المسيحيّ بشكل عميق. لكن ما زال هناك الكثير الذي ينبغي القيام به مسيحياً، كنسياً وسياسياً وثقافياً، للخروج تماماً من مرحلة استطاعت فيها الظاهرة العونيّة أن تشلّ قدرة الإجتماع المسيحيّ على عيش وتطوير المناصفة، كديانة مدنية وكميثاق كيانيّ عميق للبنان، وكإعلان سقوط كل المشاريع الهيمنية الفئوية. حتى الساعة، ألغى المسيحيون، من جانب واحد، أي التباس حول ارتباطهم كجماعة محدّدة المعالم وجودياً وحضارياً بـ"تفاهم مار مخايل".. لكن بقي الكثير لتحققهم كجماعة قادرة إلى الذهاب في العمق في مشروع العبور إلى دولة المناصفة.