لا مفر من التوقف عند الأمر يا إخوان، خصوصاً وأننا في لبنان، معنيون بتبعاته شئنا أم أبينا، رضينا أو زعلنا.
أحد أعضاء البعثة الديبلوماسية الإيرانية في الأمم المتحدة يدعو خبيراً سياسياً إسرائيلياً الى الاستثمار في طهران "حيث أسواق آسيا الوسطى الواعدة، وحيث يمكنكم أن تخلقوا فرص عمل فيها".
الواقعة الموثقة بالصوت والصورة بثتها قناة "العربية" وتتضمن تفاصيل لقاء جمع بين الطرفين في أحد مكاتب الأمم المتحدة في نيويورك وفي حضور شخصيات من جنسيات عدة. وإذا لم يكن خبر اللقاء في حد ذاته صاعقاً بما فيه الكفاية فإن تتمته تكمل المشوار، حيث إن "الخبير" الإسرائيلي ذاك، اعتبر العرض الإيراني "صعب التحقق حالياً لأن أحمدي نجاد يريد إزالة إسرائيل من الوجود".
هكذا إذن "تعرض" إيران و"ترفض" إسرائيل فيما نحن في الجمهورية اللبنانية المنكوبة نعيش على وقع التهديدات المتبادلة بين الطرفين، وعلى هاجس عدوان محتمل في كل لحظة.. وأبعد من ذلك، بل قبله، نعيش منذ سنوات في ظل معادلة ركّبها أنصار السيد نجاد وحلفاؤه عندنا، قائمة على حدّين لا ثالث لهما: مقاومة أو مساومة، وتحت ذلك السقف تندرج مدوّنة سلوك تحدد لنا أصول الحكم والحكي والمعاهدات والأعراف الديبلوماسية، وكل ما يمر على البال والخاطر في سياق ذلك وخارج ذلك السياق، حتى في شكل اللباس الرسمي، بحيث إنك مدعو الى فك ربطة العنق كي تكتمل مواصفات انتمائك الى خط الممانعين والمقاومين في وجه المساومين والمستسلمين!
دأب لا يُقارن شهدناه ونشهده منذ سنوات وسنوات عند أهل الممانعة حلفاء إيران ما غيرها، في إنتاج مطابع توزع على الناس هويات تحدد مقدار النقاء الوطني في دمائهم تبعاً لسلوكهم السياسي أو الإعلامي. ولم تنتهِ حتى اللحظة، مطالعات ومطولات التخوين والعمالة التي بُنيت عليها أحكام وأفعال في حق غالبية لبنانية أرادت فقط أن تناقش في مسألة الحياة والموت الخاصة بالنزاع مع إسرائيل، وبمدى القدرة عندنا على تحمّل ما لم ولا يحتمله غيرنا، ومدى استعداد أرباب شعار محو إسرائيل من الوجود لمشاركتنا الميدانية المباشرة في تحمل أوزار تلك المعركة الخلاصية الكبرى؟!
تفتش إيران عن مصلحتها العليا وهذا حقها، وهي فعلت ذلك في حرب تموز 2006 وبعدها في حرب غزة، حيث يتذكر كثيرون مثلاً أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي قال آنذاك لعدد من الشبان الإيرانيين الذين أرادوا التوجه الى القطاع لمقاتلة الصهاينة "إننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً في هذا المجال (…) لكننا لن نتوقف عن دعم الشعب الفلسطيني المظلوم"… مدرسة في الواقعية السياسية تفترض حدوداً قائمة وتحترمها، وقدرات ذاتية محددة وتقف عندها، لكنها في ما خص الآخرين (أي نحن في لبنان تحديداً) تصبح تلك المدرسة عبارة عن صف واحد وبدرس واحد: مقاومة الى الأبد. وعميل ابن عميل صهيوني أميركي نيجيري صومالي كوستاريكي، كل من يفكِّر أو يجادل أو يطرح سؤالاً عن أفق هذه المصيبة المفتوحة عندنا، ومتى يمكن لنا (لو سمحتم) أن نبحث عن مصلحة بلدنا العليا، تماماً كما يفعل الإيرانيون اليوم، وكما يفعل السوريون أيضاً، وهذا حقهم الطبيعي.
الى هذه النقطة فحسب يمكن الاستطراد وليس أكثر… لكن ربما يعوّض عن لوازم اللجم الذاتي والامتناع عن الغلظة في الكلام والأحكام، لو سمعنا رأي بعض الممانعين والمقاومين عندنا في تلك الواقعة الفاقعة المسجّلة في الأمم المتحدة في نيويورك.. ونحن على السمع يا سيد نواف، والسلام!!